من شأن المواريث الكبيرة تحويل الاقتصادات، والأسواق، والمجتمع.
لا تكتمل التجمعات العائلية في الأعياد دون استرسال كبار السن في الحديث عن «الأيام الخوالي الجميلة»، فيما يبدي جيل الألفية قلقاً بشأن مستقبلهم. لقد كان جيل الطفرة السكانية محظوظاً بالفعل. فبعد الحرب العالمية الثانية، تمكن كثيرون من جمع ثروات هائلة مع ازدهار الاقتصادات وتعزيز الأرباح وارتفاع قيم العقارات وأسواق الأسهم.
في المقابل، تأثرت الأجيال الشابة اليوم بانخفاض نمو الإنتاجية، إضافة إلى العديد من الأزمات الاقتصادية، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا. ويعجز كثير من الشباب حالياً عن تحمل تكاليف السكن، ناهيك عن خطر التغير المناخي وعدم الاستقرار الجيوسياسي.
لكن ثروة الآباء والأمهات والأجداد، إلى جانب عملهم الدؤوب، عوامل تعني أن جيل الألفية والجيل «زد» لديهم شيء بإمكانهم التطلع إليه، وهو ميراث لائق. وسينتقل ما تتجاوز قيمته 100 تريليون دولار، على مدار الـ 25 عاماً المقبلة، من الأصول، التي تراوح من العقارات إلى الأعمال الفنية، من جيل طفرة الألفية والأجيال الأكبر إلى ورثتهم في الولايات المتحدة وحدها، بحسب شركة سيرولي أسوسيتس لإدارة الثروات.
وأفصحت «فانجارد»، وهي شركة مماثلة لإدارة الثروات، أخيراً، عن توقعاتها بانتقال ما يزيد على 18 تريليون دولار من الثروات إلى الورثة حول العالم بحلول عام 2030. سيكون ذلك أكبر انتقال للأصول بين الأجيال في التاريخ.
ما قد يعنيه هذا لاقتصاداتنا، وأسواقنا، ومجتمعاتنا؟ في البداية، لن يكون الجميع محظوظين بما يكفي ليكونوا على صلة قرابة بشخص ثري يورثهم. في الولايات المتحدة، ستنقل الـ 10% من الأسر الأكثر ثراءً غالبية ثرواتهم إلى ورثتهم.
وفي بريطانيا، توصل بحث أجرته مؤسسة ريزوليوشن فاونديشن البحثية، إلى أن الأثرياء من جيل طفرة المواليد أكثر عرضة بمرتين لتوريث ميراثهم لأولادهم مقارنة بنظرائهم الأقل ثراءً. بعبارة أخرى، ستصير أوجه التفاوت بين الأجيال أكثر ترسخاً، خصوصاً إذا كانت الاقتصادات المتقدمة ما زالت تواجه صعوبة في زيادة معدلات النمو الهزيلة لديها.
سيتوقف التأثير الاقتصادي أيضاً على ما سيفعله الورثة بالأموال. فقد يتم إنفاق هذه الأموال إلى حد كبير على سداد الرهون العقارية وتكاليف التعليم الجامعي للأحفاد، أو للتقاعد في سن أصغر والذهاب إلى مناطق تتمتع بمناخ أكثر دفئاً. سيكون ذلك شيئاً إيجابياً للمنتمين إلى جيل الألفية المثقلين بالديون، وكذلك للوجهات المشمسة.
لكنه من الممكن أيضاً أن يتم إحباط الآمال في زيادة الإنفاق المدفوع بالمواريث. أياً كان ما سيحدث، يجب أن نضع في الاعتبار أن الحكومات التي تعاني ضوائق مالية ستولي اهتماماً بفرض ضرائب على التركات، لكن بحكمة.
وحينما يتعلق الأمر بالاستثمار، يميل المستثمرون من جيل الألفية والجيل «زد» إلى أن يكونوا أقل ثقة في الأصول التقليدية مثل الأسهم والسندات. وكشف استطلاع أجراه «بنك أوف أمريكا» أخيراً عن أن الأجيال الأصغر سناً تخصص حجماً يزيد بثلاثة أضعاف من محافظهم الاستثمارية إلى استثمارات بديلة، مثل الأسهم الخاصة، والشركات الناشئة، والأصول المشفرة، مقارنة بجيل مواليد الطفرة والجيل «إكس».
كما أنهم منجذبون بصورة أكبر إلى التمويل الهادف، الذي يحقق عائداً مادياً وفائدة وتأثيراً إيجابياً قابلاً للقياس في المجتمع أو البيئة. وقد يسفر ذلك عن تقلبات في المحافظ المستقبلية، لكنه أيضاً قد يكون نعمة للقضايا البيئية والاجتماعية، وكذلك قد يسهم في توزيع التمويل بشكل أوسع.
ومع ذلك، قد تذهب بعض المواريث سدى. فقد توصلت دراسة أمريكية دامت عشرين عاماً إلى أن 70% من الأسر الثرية فقدت ثروتها بحلول الجيل الثاني، وتفقد 90% منها الثروة في وجود الجيل الثالث. ويمكن أن تتعطل التركات بسبب نزاعات عائلية ودعاوى قضائية.
وقد يبدد الورثة الجدد من الشباب الثروات المفاجئة على استثمارات غريبة، أو على آخر صيحات أسهم «الميم». لذا، يكتسب تخطيط التعاقب والتثقيف المالي أهمية أكبر. وحسب استطلاع أجري عام 2023، فإن 40% فقط من الشباب في بريطانيا يتمتعون بثقافة مالية 2023.
وقد يكون كبار السن أكثر حرصاً بشأن رغبتهم في كيفية إنفاق أموالهم. فقد تحمل هدايا عيد الميلاد معنى مختلفاً في الأعوام المقبلة. فبدلاً من الهدايا المغلفة، قد يسعى الأقارب الأكبر سناً إلى نقل أصولهم في وقت مبكر ودون أن تفرض عليها أي ضرائب. من المؤكد أن هذا سيضفي حيوية أكبر على نقاشات طاولة الأعياد.