كلير بوشي

يتراجع متوسط عمل المهندسين في شركة «بوينج»، حيث يغادر الموظفون العاديون الموهوبون شركة صناعة الطائرات المتعثرة، إضافة إلى ذلك تقلص «بوينج» الوظائف بنسبة 10 % على مستوى الشركة، وخلال الشهر الجاري رفعت جولة ثانية من التسريحات إجمالي عدد المهندسين، الذين غادروا الشركة إلى 400.

تأتي هذه الضربة للمعنويات في وقت يقارن فيه المهندسون المتحررون من الأصفاد المخملية للمزايا طويلة الأجل، الاضطراب الذي تمر به «بوينج» بجاذبية شركات الفضاء، التي تحدد أهدافاً مثيرة، فعلى مدار العقد الماضي انخفض متوسط مدة عمل المهندسين في «بوينج» من 16.4 عاماً إلى 12.6 عاماً، وفقاً لبيانات النقابة التي تمثل 12 ألف مهندس في «بوينج»، وهي جمعية للمهندسين المحترفين في مجال الطيران، وشمل هذا التراجع في مدة العمل جميع الفئات العمرية تقريباً، حيث بلغ متوسط سنوات عمل الموظفين في العشرينيات والثلاثينيات من العمر عدد سنوات أقل، وكذلك الذين تتراوح أعمارهم بين أواخر الأربعينيات وحتى 65 عاماً.

ويتمثل خطر «هجرة العقول» هذه، كما وصفها المحللون وشركات التوظيف ومسؤولو النقابات، في أنها تعوق العمليات الحالية، وقد تصعب على «بوينج» إطلاق طائرتها الجديدة القادمة.

وقال مات كيمبف، المدير الأول للتعويضات والتقاعد في جمعية مهندسي الطيران: «كل هذه الخبرة قد ولت، وذلك يثير مخاوف لأن مهندسي الطيران لا تتم صناعتهم، بل تتم تربيتهم».

وذكرت «بوينج» أنها لا تزال في وضع قوي للتنافس على أفضل المواهب الهندسية في مجال الطيران، والاحتفاظ بها من خلال رواتب ومزايا وتوازن بين العمل والحياة رائدة في السوق. وعلى مدار سنوات عدة ظل معدل المغادرة الطوعي في خانة الآحاد المنخفضة، وانخفض منذ عام 2022، وتعد المنافسة مع صناعة الفضاء لتوظيف المواهب والاحتفاظ بها أحد العوامل في انخفاض مدة خدمة عمل المهندسين في «بوينج».

وتعتبر الشركة أرضاً خصبة للتوظيف بالنسبة لشركتي «بلو أوريجين» و«سبيس إكس»، حيث ازدهرت صناعة الفضاء في ولاية واشنطن على مدار السنوات الأربع إلى الست الماضية، حسبما قال ستان شول، مؤسس الشركة الاستشارية «Alliance Velocity»، والذي قدر أن نحو 15 % من قوة العمل في «بلو أوريجين» كانوا موظفين سابقين في «بوينج».

وعانت «بوينج» في السنوات الأخيرة، حيث أدى حادثا تحطم مميتان إلى إيقاف طائرتها في جميع أنحاء العالم عام 2019، ثم عانت هذا العام من حادثين، الأول عندما تطاير جزء من باب طائرة خلال رحلة تجارية، والثاني عندما اختارت وكالة «ناسا» منافستها «سبيس إكس» لإعادة رائدي فضاء إلى الأرض.

وتركت كوارث السنوات الخمس الماضية الشركة تحاول إصلاح ميزانيتها العمومية، وقال الرئيس التنفيذي، كيلي أورتبرج، في أكتوبر: «إن بوينج ستقلص 10 % من قوتها العاملة، أو 17 ألف وظيفة».

كما أحجمت «بوينج» عن الإعلان عن تصميم طائرة جديدة، ما حرم المهندسين من مشروع طموح لإثارة الخيال، وأطلقت «بوينج» آخر طائرة بتصميم جديد كلياً قبل 20 عاماً، والذي أصبح الطائرة 787.

وقال أورتبرج في أكتوبر: «في الوقت المناسب في المستقبل نحتاج إلى تطوير طائرة جديدة، لكن لدينا الكثير من العمل الذي يجب علينا القيام به قبل ذلك. على النقيض من ذلك قالت منافستها «سبيس إكس» إنها تسعى إلى السفر بين الكواكب».

وقال رون إبشتاين، محلل «بنك أوف أمريكا»: «المهندسون بسيطون. إذا وضعتهم في غرفة مع كوكاكولا وكعك وبيتزا ومشكلة رائعة تحتاج إلى حل فلن يغادروا أبداً. إذن هل تريد إصلاح بعض الطائرات القديمة التي تعاني مشاكل في الإنتاج، أم تريد الذهاب إلى المريخ؟».

وقالت سيكا ميجور، الرئيسة التنفيذية لشركة «AdAstra»، وهي شركة توظيف مقرها واشنطن مختصة في المواهب الهندسية: «لا يستطيع كل مهندس القفز من الطيران إلى الفضاء، فهم يحتاجون إلى خبرة في أنظمة السلامة الحرجة أولا، وليس كلهم كذلك، كما يفضل البعض التوازن بين العمل والحياة المتاح في «بوينج»، مقارنة بساعات العمل الطويلة المطلوبة في الشركات الأحدث». وأكدت أنها شاهدت كثيرين يغادرون «بوينج»، بينهم متعاقدو الدفاع القدامى، على مدار السنوات الخمس الماضية، وهو اتجاه قالت إنه تسارع هذا العام بسبب مشاكل «بوينج».

وأضافت أن أحد أكبر أسباب إحجام المرشحين عن الشركات الناشئة هو المخاطرة. لقد شعروا تقليدياً بأمان أكبر مع منظمة قديمة. عندما تمر هذه المنظمات القديمة بهذه التسريحات الكبيرة فإنها تفتح عقولهم على التفكير في شركات ناشئة أكثر خطورة، لأنه الأمر أصبح الآن سيان. ولم يعد بإمكان «بوينج» إيقاف المغادرين من خلال تقديم وعود بمعاش تقاعدي ورعاية صحية للمتقاعدين، وهما عاملان قويان كانا يبقيان الموظفين هناك لعقود. فقد أنهت الشركة الرعاية الصحية للمتقاعدين للذين تم توظيفهم بعد عام 2006، والمعاش التقاعدي للذين تم توظيفهم بعد عام 2013.

وقالت جمعية مهندسي الطيران: «إن نحو 1700 مهندس تقاعدوا عام 2022، مقارنة بما يتراوح بين 240 و360. والتغيير في القانون الفيدرالي وارتفاع أسعار الفائدة يعني أن عدداً كبيراً من المهندسين احتاجوا إلى التقاعد ذلك العام أو أنهم فضلوا ذلك، لأن المبلغ الإجمالي لمعاشهم التقاعدي سينخفض بما يصل إلى 350 ألف دولار».

ويقول مسؤولو النقابة: إن مغادرة المهندسين لشركة «بوينج» قللت «المعرفة السابقة»، وهو مصطلح مختصر يعني فهم العاملين لكيفية تصميم وبناء الطائرات، الذي تم تطويره على مدار عقود. وأصبح المهندسون المتبقون أقل كفاءة، لأنهم قد يحتاجون الآن إلى قضاء ساعة في البحث عن إجابات لأسئلتهم، بدلاً من سؤال زميل أكثر خبرة.

كما خلقت تلك الأعداد التي رحلت مشاكل في سير العمل لموظفي «بوينج» المكلفين بالعمل كمفتشين نيابة عن إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، وهو برنامج يعرف باسم تفويض تصميم المنظمة، كما أفاد ريتش بلونكيت، مدير التطوير الاستراتيجي في جمعية مهندسي الطيران.

وقال بلونكيت: «إن أعضاء برنامج التفويض أبلغوا مدير إدارة الطيران الفيدرالية، مايك ويتاكر، عندما زار«بوينج» في وقت سابق من الشهر أن موظفي «بوينج»، الذين يقدمون عملهم للحصول على موافقة من برنامج التفويض يفتقرون في بعض الأحيان إلى الخبرة للقيام بذلك بشكل صحيح».

وذكر تقرير صدر في فبراير كتبه خبراء طيران من شركات طيران وأوساط أكاديمية ونقابات و«بوينج» نفسها أن الموظفين ذوي الخبرة يغادرون، ولا يتم استبدالهم، وأن الجهود المبذولة للاحتفاظ بهم ليست فعالة، ولا تتم في الوقت المناسب، وتوجد مشكلة مماثلة في إدارة الطيران وإشرافها على برنامج التفويض.

وقالت «بوينج» إن المهندسين الذين ينتمون لوحدة برنامج التفويض كانوا من بين الأكثر خبرة لدى الشركة، وكان تدريبهم جزءاً حيوياً من تدريب المهندسين في بداية حياتهم المهنية. قالت الإدارة الفيدرالية للطيران إنها ستواصل الإشراف القوي على «بوينج».

وقال ريتش بلونكيت: «إن تسريحات «بوينج» الأخيرة أثرت على العمل، ففي الماضي كان المهندسون يعملون عادة خلال فترة الإشعار الخاصة بهم. الآن تدفع لهم الشركة لمدة 60 يوماً، لكنها تطلب منهم التوقف عن العمل». وقال: «نتلقى مكالمات من أشخاص يقولون: من سيكمل عملي؟»، لكن السؤال الأكبر الذي أثاره مغادرة المهندسين لـ«بوينج» هو ما سيحدث عندما تبدأ الشركة في تصميم وبناء طائرة جديدة. شبه إبشتاين المشكلة بالذاكرة العضلية: «إذا كنت تريد تصميم أشياء جديدة يوماً ما؛ فعليك استخدام هذه العضلة».