إدوارد لوس

يستحق توم تيليس، النائب الجمهوري عن ولاية نورث كارولاينا، إشادة كبيرة لتصويته ضد مشروع قانون ترامب «الكبير والجميل»، وإعلانه لاحقاً اعتزال الحياة السياسية بالكامل.

لقد بدا كالنحلة التي تلسع مرة واحدة ثم تموت. ومع ذلك، يرى البعض أنه لا ينبغي المبالغة في تقدير موقفه، إذ تشير التوقعات إلى أن خسارته محتومة في انتخابات إعادة الترشح العام المقبل.

وبالمثل، يواجه العديد من الجمهوريين مصيراً مشابهاً بفقدان مقاعدهم، بسبب ميزانية ترامب المثيرة للجدل، تلك التي تنتزع من الفقراء لتمنح الأغنياء. وهكذا، فإن من اختاروا العيش بسيف ترامب، باتوا اليوم يواجهون السقوط بحد السيف نفسه.

إن ميزانية ترامب ستخلف أثرين بالغَي الأهمية، أحدهما سياسي والآخر اقتصادي.

ويتمثل الأثر الأول في الضرر الجسيم الذي سيلحق بصورة «ماغا»، التي طالما روّج لها ترامب بين الطبقة العاملة الأمريكية، إذ سيؤدي القانون «الكبير والجميل» — وهو التسمية التي تبناها الجمهوريون بانصياع تام لمصطلح ترامب — إلى نقل الثروة من أفقر شرائح المجتمع الأمريكي، إلى أثرى طبقاته.

ونظراً للتناقض الصارخ بين هذا التوزيع التصاعدي للثروة، والوعود الانتخابية التي أطلقها ترامب، فإن حزبه سيدفع ثمناً باهظاً في صناديق الاقتراع، حيث تشير بعض استطلاعات الرأي، إلى أن أقل من 30% من الناخبين يؤيدون هذا المشروع، وهو رفض شعبي غير مسبوق لمشروع قانون رئاسي بهذا الحجم.

ولعل أقرب مثال مشابه لهذا الوضع، هو محاولة جورج دبليو بوش عام 2005، خصخصة نظام الضمان الاجتماعي - تلك الخطوة الجذرية التي لم تكن جزءاً أساسياً من حملته الانتخابية.

وقد ارتدت مقامرة بوش عليه نفسه، فرغم اضطراره للتخلي عن المشروع، إلا أن الهزيمة المدوية التي مُني بها حزبه في انتخابات التجديد النصفي في العام التالي، كانت نتيجة مباشرة لتلك المحاولة الفاشلة.

والنموذج المشابه الآخر، هو مساعي ترامب عام 2017 لإلغاء «أوباما كير»، الإصلاح الصحي الذي نجح في خفض أعداد الأمريكيين غير المشمولين بالتأمين الصحي إلى النصف، مقارنة بالسنوات السابقة.

وقد خسر ترامب معركة إلغاء البرنامج بفارق صوت واحد، يُعزى للسيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، ليفقد الجمهوريون سيطرتهم على الكونغرس في العام التالي.

وعلى خلاف المشروعين السابقين اللذين باءا بالفشل، يشق مشروع القانون «الكبير والجميل» لترامب للإقرار، ما يرجح أن تكون تداعيات انتخابات التجديد النصفي أشد وطأة هذه المرة، حتى مع الأخذ في الاعتبار، عدم كفاءة الديمقراطيين الحالية، فحتى المعارضة المفككة، يمكنها تحقيق مكاسب ضد حزب حاكم جعل حياة الناخبين أكثر صعوبة.

ويقدم هذا المشروع للديمقراطيين خطابهم الانتخابي على طبق من ذهب، إذ يفرض تخفيضات حادة على برنامج «ميديكيد» المخصص لأفقر الأمريكيين، لتمويل تخفيضات ضريبية للأثرياء، ما سيحرم ما بين 11 - 16 مليون مواطن من التأمين الصحي، بينما سيفقد ملايين آخرين المساعدات الغذائية.

وسيخسر أفقر 10% من الأمريكيين نحو 1600 دولار سنوياً، في حين سيكسب أغنى 10% ما يقارب 12000 دولار.

وهنا يمكن للديمقراطيين تبنّي شعار بسيط: «ترامب سرق من الفقراء ليُغني الأثرياء» - وهي معادلة ليست بالغة التعقيد.

غير أن هناك مفارقة أخرى في المشهد، فالعديد من الأثرياء أنفسهم يكرهون مشروع القانون، ومن بينهم إيلون ماسك، الصديق السابق المنشق عن ترامب، الذي يحذر من أن هذا القانون سيضع أمريكا على طريق «عبودية الديون».

فوفقاً لتقديرات مختلفة، سيضيف ترامب ما بين 3 و4 تريليونات دولار إلى الدين الوطني الأمريكي خلال العقد المقبل، ما سيضع الولايات المتحدة في مصاف دول مثقلة بالديون، كإيطاليا.

وبغض النظر عن دوافع ماسك لمعارضة القانون - إذ يطالب بتخفيضات أكثر حدة في قطاع الرعاية الصحية - فهو محق في تشخيصه للاتجاه غير المسؤول الذي تسلكه البلاد. وفي الحقيقة، ليس هناك ما يربط مشروع ترامب خصيصاً بحركة «ماغا»، فقد تضاعف الدين الوطني الأمريكي أكثر من مرتين منذ عام 2000، متجاوزاً 120% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المتوقع أن يكون ربع القرن القادم أكثر تكلفة بكثير من سابقه، الذي استفاد من أسعار فائدة منخفضة بشكل استثنائي. ومع استحواذ خدمة الديون على حصة متزايدة من الميزانية الأمريكية، ستتقلص الموارد المتاحة لكافة القطاعات الأخرى. وفي هذا السياق، يواصل ترامب تقليداً جمهورياً عمره عقود، إذ تسرق ميزانيته من مستقبل البلاد لمصلحة أثريائها اليوم.

ومن الناحية الاقتصادية، تُمثل ميزانية ترامب نموذجاً كلاسيكياً للتضليل والخداع، فبعد أن وعد الطبقة العمالية الأمريكية بأسعار أقل ودخول متزايدة، ها هو يقدم على النقيض تماماً.

لكنه يمتلك وسائل أخرى لإرضاء قاعدته الانتخابية، وهو ما يطلق عليه مارتن وولف مصطلح «شعبوية البلوتوقراطية» (أو شعبوية أصحاب الثروات).

ويتضمن مشروع القانون زيادة ملحوظة في ميزانية وكالة الهجرة والجمارك المثيرة للجدل، إضافة إلى تعزيز إنفاق البنتاغون على الحدود الأمريكية المكسيكية، ما ينذر بامتداد المداهمات المدعومة عسكرياً من لوس أنجلوس، إلى مدن كبرى أخرى كنيويورك وشيكاغو.

كما يستعد ترامب لمواجهة مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فلديه - كما يُقال - رصاصة مخصصة لجيروم باول. ورغم أن فترة رئيس الاحتياطي ستنتهي في مايو المقبل، فمن غير المرجح أن ينتظر ترامب طويلاً، إذ يصف باول بأنه «شخص غبي» و«أبله» و«أحمق»، وذلك لرفضه خفض أسعار الفائدة، وسط موجة تضخم تغذيها الحرب التجارية. ومن المتوقع أن يحسم ترامب هذه المعركة لصالحه، حيث يسعى لخفض حاد في سعر الفائدة الأساسي الأمريكي.

في المحصلة النهائية، سيكون الأمريكيون جميعاً - أغنياء وفقراء - خاسرين، فاحتياطي فيدرالي منقاد لرغبة ترامب في السيولة السهلة، سيُعيد التضخم إلى مستويات قياسية. وعموماً، فإن سياسات مشروع القانون «الكبير والجميل»، تضر بترامب ذاته سياسياً، بينما تمثل تداعياتها الاقتصادية كارثة شاملة للجميع.