ليو لويس
غالباً ما يلجأ المتحدثون باللغة الإنجليزية -لا شعورياً- إلى الرقم 17، نظراً لأن مقاطعه الثلاثة تمنحه إيقاعاً وطابعاً توكيدياً بارزاً، مقارنة بجميع الأرقام الأخرى دون العشرين، كما أن طبيعته الأولية تضفي عليه شعوراً يجمع بين التعمد والعشوائية.
هذه الخصائص تجعل الرقم 17 حليفاً دائماً لكتّاب الأغاني والمبالغين في الوصف والتجار. غير أن هذا الرقم يبدو غير مناسب تماماً لخوض غمار الحرب الاقتصادية في زمن إعادة هيكلة النظام العالمي، وسياسات التصنيع المسيسة.
وبعد مرور عام كامل على توليها منصبها، وفي ظل غياب أي دلالة خاصة لهذا الرقم في اللغة اليابانية، حددت ساناي تاكايتشي رئيسة وزراء اليابان، 17 قطاعاً لتكون الركيزة الأساسية لمساعيها التي تهدف لإنهاء عقود من النمو الضعيف، وعكس تراجع الاستثمار المحلي لأكثر من جيل، وبناء أمة قوية ومزدهرة. وتكمن المخاطر هنا في أن هذا الرقم لا يكتفي بتسليط الضوء على واقع اليابان الحالي فحسب، بل يرسخ فكرة أن البلاد -بوضعها الراهن- تعاني تشتت الموارد بشكل يحول دون قوتها، وتفتقر إلى الحسم اللازم لتحقيق الازدهار.
تمثل استراتيجية النمو التي تتبناها «تاكايتشي» محاولة لإحياء السياسة الصناعية اليابانية -التي كانت يوما ما قوة هائلة قبل أن تضعف بمرور الزمن- في عالم ما بعد التجارة الحرة، حيث لم يعد وجود سياسة صناعية أمراً مستهجناً، بل أصبح مطلباً متوقعاً. وهناك شعور بالأسف يبدو واضحاً في طموحات تاكايشي، لأن هذا الإحياء لم يحدث في وقت أبكر بكثير.
وقد أضفت اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي عقدت الأسبوع الماضي مزيداً من الإلحاح، حيث أقر عديد من المندوبين في الكواليس بأن حدة التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، تفرض على الدول في كل مكان صياغة سياسة صناعية خاصة بها الآن، قبل أن يفرض عليها الآخرون ملامح هذه السياسة.
ويعد تنفيذ هذه الاستراتيجية اختباراً يجب على تاكايشي النجاح فيه، قبل أن يؤدي أي تراجع في شعبيتها إلى تشتيت تركيزها. رغم ذلك، يبدو أن الأمور تسير في مسار إيجابي، إذ تستمد استراتيجية النمو التي تطرحها رئيسة الوزراء زخماً من شعورٍ عام بأن «اليابان قد عادت»، وهو شعور يتغذى على الحضور الصناعي الواسع لليابان في طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن سوق الأسهم التي تضاعفت قيمتها خلال السنوات الخمس الماضية.
إلا أن الخيار المثير للجدل الذي اتخذته تاكايتشي، تمثل في تحديد 17 «مجالاً استراتيجياً». وهي قطاعات اقتصادية اختارتها الحكومة، بالتشاور مع قطاع الأعمال والنقابات العمالية والأكاديميين، بهدف تعزيزها والاستثمار فيها، معتقدة أنها تستطيع التفوق فيها عالمياً.
ولا تعد هذه المجالات السبعة عشر -في حد ذاتها- خيارات غير عقلانية، فهي تتراوح بين أشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والحوسبة الكمومية، والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الخدمات اللوجستية في الموانئ، والرعاية الطبية المتقدمة، والاندماج النووي، والمحتوى الرقمي. كما تبدو العديد من القطاعات الفرعية، مثل إصلاح السفن، وإنتاج الصلب الأخضر، والاستزراع المائي البري، واستكشاف القمر، مجالات واعدة لاستقبال استثمارات تحويلية. لكن كبار الصناعيين يرون أن استبعاد قطاع صناعة السيارات التقليدي بالكامل من القائمة، يظل أمراً محيراً، فهل أصبح هذا القطاع ضخماً وناجحاً إلى درجة لا تتطلب أي دعم حكومي، أم أن في ذلك إشارة إلى أنه بات محكوماً عليه بالزوال؟.
غير أن المشكلة تكمن في غموض رقم 17، والشكوك التي يولدها. فهو رقم كبير إلى حد، بحيث إنه لا يوحي بتركيز فعلي وحاسم، مقارنة بما لو كان الرقم هو 6 مجالات مثلاً. من ناحية أخرى، وكما يشير استبعاد شركات صناعة السيارات التقليدية، فإن هذا العدد يجعل من الصعب التوصل إلى استنتاج واضح حول القطاعات التي ستقرر اليابان أنها تستطيع الاستغناء عنها -إن وجدت.
كما لم تقدم إدارة تاكايتشي توضيحات كافية حول كيفية الوصول إلى هذا الرقم، وهو ما يغذي شكوك المتشككين. ففترة ازدهار السياسة الصناعية اليابانية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، رغم قوتها، لم تخلُ بالتأكيد من الأخطاء والثغرات. ولطالما عارض القطاع الخاص فكرة أن تملك الحكومة صلاحية اختيار «القطاعات الفائزة»، في حين حرصت الحكومة دائماً على تجنب الإشارة -من قريب أو بعيد- إلى إمكانية وجود «قطاعات خاسرة».
المشكلة الكبرى في الرقم 17، هي أنه يكشف جوهر نهج اليابان. فقد اتسمت أيام المجد الاقتصادي لليابان بغيابٍ لافت للتركيز المحدّد، حيث تحولت البلاد بمرور الوقت إلى ما يشبه تكتلاً اقتصادياً عملاقاً. لقد كانت بمثابة حاضنة لآلاف العناصر ذات المستوى العالمي، لكن القيمة الإجمالية لأجزائها ظلت في نهاية المطاف أقل من مجموع قيمها الفردية. وهي لا تزال -وبإصرار- على حالها تلك. ورغم كل جهود الحكومة لدفع شركاتها نحو الاندماج وتبسيط هياكلها، فإن عدد هذه الشركات لا يزال ضخما للغاية، كما أنها تفتقر إلى التركيز، مقارنة بنظيراتها في أي مكان آخر من العالم.
إن مسعى اليابان لإعادة ترسيخ سياسة صناعية شاملة، أمر جدير بالثناء، بل وضروري للغاية، في ظل الظروف الحالية. لكن كان بإمكانها اختيار رقم آخر، كستة أو ستين مثلاً، لكن اختيارها للرقم 17، يشير بقوة إلى أنها لم تدرك بعد مدى شراسة الحرب التي ستدور رحاها في ميدان السياسات الصناعية.