هيئة تحرير فايننشيال تايمز

تخيل مساعداً شخصياً مثالياً؛ يقضي الليل في التفاوض بشأن فاتورة الإنترنت العريض النطاق الخاص بك، ونقل مدخراتك إلى حساب مصرفي ذو فائدة أعلى، وإلغاء اشتراكات البث قبل تحول تجاربها المجانية إلى خطط مدفوعة بقليل.

وقبل موعد الإفطار، يكون قد طلب هدية الذكرى السنوية لزواجك، التي كدت أن تنساها، وحل تعارضاً في المواعيد لم تلاحظه، ونقل تأمين منزلك إلى شركة تأمين أرخص. وكل ذلك دون الحاجة لملء نموذج ممل أو إجراء مكالمة هاتفية مطولة تتخللها ردود ساخرة من ممثل خدمة العملاء. إن صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين قد يضع قريباً مثل هذا المساعد الشخصي في جيب كل شخص.

في أغسطس، أطلقت شركة «إنستنكت» «Instinct» الناشئة ومقرها الولايات المتحدة مساعدها الذكي، ثم تبعتها شركة «ميتا» «Meta» بمساعدها «ميوز» «Muse» في الشهر الماضي.

وخلافاً لروبوتات الدردشة التقليدية التي تجيب في الغالب عن الأسئلة، يمكن لهؤلاء الوكلاء تلقي التعليمات والتصرف بناءً عليها. إذ يتصفحون مواقع الويب، ويتفاعلون مع التطبيقات، ويقضون المهام بشكل مستقل عبر الهواتف الذكية والحواسيب، ومن المتوقع أن يحدثوا انقلاباً جذرياً في طريقة عمل الاقتصاد الرقمي.

وبالنسبة للمستهلكين، فإن جاذبيتها واضحة؛ فقد جعلت شبكة الإنترنت المعلومات وفيرة، وبإمكان وكلاء الذكاء الاصطناعي الآن غربلتها لمساعدة الأسر على توفير المال، وتجنب الرسوم الخفية، والعثور على أفضل الصفقات.

رغم ذلك، فإن الاعتماد السريع ليس مضموناً بأي حال من الأحوال. فقد وجد استطلاع حديث أجرته شركة «ماستركارد» «Mastercard» أن 85 % من المستهلكين منفتحون على العمل مع وكيل ذكاء اصطناعي، لكن 10 % فقط مستعدون للسماح لوكيل بإتمام عملية شراء بشكل مستقل.

إن منح الروبوتات حق الوصول إلى الحسابات الشخصية والبيانات اللازمة لتحسين قراراتها ينطوي على مخاطر الاحتيال، وانتهاكات الخصوصية، والأخطاء المكلف.

ويفضل بعض المستخدمين الحد من تعرضهم لهذه المخاطر عبر ربط مساعديهم الأذكياء بمحافظ رقمية منفصلة بدلاً من حساباتهم المصرفية الرئيسية. وفي الواقع، سيتوجب على شركات التكنولوجيا كسب ثقة المستهلكين.

كما تحتاج الشركات للاقتناع والثقة أيضاً في التكنولوجيا الجديدة.

ففي الشهر الماضي حظرت «أمازون» «Amazon» المساعد «ميوز» «Muse» من التسوق على منصتها. وفي الأسبوع الماضي، قيّد بنوك «سيتي جروب» «Citigroup»، و«بنك أوف أمريكا» «Bank of America»، و«جيه بي مورجان تشيس» «JPMorgan Chase» وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى حسابات العملاء.

حيث تشعر قطاعات التجزئة بالقلق إزاء عمليات الشراء الاحتيالية، والمعاملات المتنازع عليها، وعمليات الإرجاع المكلفة. بينما تخشى البنوك أن تؤدي عمليات السحب الجماعي إلى تدافع مصرفي مزعزع للاستقرار.

وهناك أيضاً تساؤلات عالقة حول المسؤولية القانونية إذا ارتكبت الروبوتات أخطاء، في حين يجب على مواقع الويب المصممة لمنع الزوار الآليين أن تكون قادرة الآن على التعامل مع طفرة في حركة المرور.

وستحتاج البنية التحتية للاقتصاد الرقمي إلى التطور؛ إذ ستحتاج البنوك ومتاجر التجزئة وشركات التكنولوجيا إلى معايير مشتركة لتحديد هوية الوكلاء، ومنحهم الأذونات، وإدارة حركة المرور الآلية. ويجب أن تحدد قواعد واضحة الطرف المسؤول قانوناً إذا ساءت الأمور.

وينبغي أن يكون بمقدور المستهلكين تعيين حدود الإنفاق، والموافقة على المعاملات، وإلغاء حق الوصول متى شاءوا. وفي الوقت نفسه، يجب على الجهات التنظيمية مواكبة التطورات، خصوصاً في القطاع المصرفي، حيث يغامر مديرو الثروات بالذكاء الاصطناعي بجعل الودائع الاستهلاكية أكثر عرضة للتقلب والانسحاب السريع.

وإذا أمكن تجاوز هذه العقبات، فإن برامج الذكاء الاصطناعي ستعزز بشكل كبير قدرة المستهلكين على التفاوض، وستشكل دفعة قوية للشركات التي كانت تعتمد سابقاً على خمول العملاء.

وستضطر المتاجر والبنوك إلى التنافس بقوة أكبر للاحتفاظ بالعملاء، سواء من خلال عروض أفضل، أم مكافآت ولاء، أم تحسين جودة الخدمة.

وقد تختفي بعض الأرباح السهلة، ما يجبر الشركات على فرض رسوم أكثر وضوحاً مقابل خدمات كانت تدعمها مالياً في السابق. لكن، بشكل عام، يعد المزيد من الشفافية أمراً مرحباً به. فالمستهلكون الأكثر إدراكاً سيجعلون الأسواق أكثر كفاءة، في حين أن المنافسة الأشرس ستجعل الشركات في حالة تأهب دائم وتحفز الابتكار.

وقد يتجاوز التحدي مجرد السماح لهؤلاء الوكلاء بإتمام المعاملات، ليطال الطريقة التي صممت بها التجارة الإلكترونية أصلاً. فالمواقع والمتاجر الرقمية تتنافس اليوم على جذب انتباه المتسوقين، من خلال الإعلانات والتوصيات الشخصية والعروض المحدودة زمنياً، على أمل أن تؤثر هذه الوسائل في قرارات الشراء.

لكن الوكيل الذكي لا يتصفح المتجر بالطريقة نفسها التي يفعلها الإنسان؛ فهو لا ينجذب بالضرورة إلى إعلان بارز، ولا يشعر بالإلحاح حين يطلب منه اغتنام عرض قبل انتهائه.

وإذا أصبح هؤلاء الوكلاء وسيطاً أساسياً بين الشركات والعملاء، فقد تفقد بعض أساليب التسويق المعتادة فاعليتها، فيما ستبحث الشركات عن طرق جديدة لجعل منتجاتها وخدماتها الخيار الذي ترجحه الخوارزميات.

ومع الضمانات الصحيحة، يمكن للشركات والروبوتات وباحثي الصفقات الازدهار جنباً إلى جنب. ولكن سيتوجب على الشركات الاعتياد على متسوقين قادرين على رصد الرسوم الخفية وملاحقة استرداد الأموال دون نفاد صبر. وربما تواجه إدارة خدمة العملاء ندها الحقيقي قريباً.