كريستين موراي وبيتر فوستر

أدى تدفق السيارات الصينية إلى ميناء لازارو كارديناس غرب المكسيك إلى امتلاء ساحات التخزين بحلول عام 2023، ما استدعى افتتاح ساحات جديدة.

وبحلول العام الماضي، أصبحت المكسيك أكبر سوق لتصدير السيارات الصينية في العالم.

ورغم فرض الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم رسوماً جمركية بنسبة 50 % على السيارات الصينية ومجموعة سلع أخرى مطلع العام، بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اتهم المكسيك بأنها «باب خلفي» لمرور المنتجات الصينية للسوق الأمريكية، فإن تدفق السيارات لم يتوقف.

فقد اقتربت الواردات الشهرية من مستويات عام 2025، بينما ارتفعت مبيعات السيارات الصينية بنحو 20 % على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026. وبلغ إجمال الصادرات الصينية إلى المكسيك 73.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بزيادة 10 %، مدفوعة جزئياً بارتفاع صادرات المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتكشف التجربة المكسيكية صعوبة تفكيك سلاسل الإمداد العابرة للقارات التي بنتها الشركات طوال ثلاثة عقود، حتى في مواجهة ضغوط رئيس أقوى اقتصاد في العالم، على دولة تتجه أربعة أخماس صادراتها إلى أمريكا. وتقول جودي كين، الباحثة الرئيسية في مؤسسة «أودي جلوبال»: إن الرسوم الجمركية لن تفكك هذه الشبكات بسهولة، لأنها جزء من منظومة إنتاج صناعي متكاملة تديرها الشركات لا الدول.

ويبرز التوازن الذي تحاول المكسيك تحقيقه بين واشنطن وبكين المأزق الذي تواجهه الدول المتوسطة الحجم، في وقت تحل فيه المنافسة بين القوى الكبرى تدريجياً محل العولمة. وقال نيل شيرينج، كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»: إن هذه الدول مطالبة بالاختيار بين إرضاء أمريكا أو الصين.

وتتمتع المكسيك باندماج عميق مع سلاسل الإمداد الأمريكية والكندية، وبوضع جمركي تفضيلي مقارنة بمعظم دول العالم. وترى فانيسا روبيو ماركيز، نائبة وزير المالية المكسيكي السابقة، أن هذا الترابط يمنح بلادها قوة تفاوضية أكبر مما قد يعتقد.

وهيمن الاقتصاد الأمريكي على التجارة المكسيكية قبل وقت طويل من توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) عام 1993. آنذاك، كانت الصين تعود إلى الساحة الاقتصادية العالمية، قبل أن يفتح انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 مرحلة جديدة من العولمة، أسهمت في خفض أسعار كثير من السلع الاستهلاكية.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين مورداً أساسياً لمدخلات التصنيع المكسيكي في قطاعات تشمل السيارات والإلكترونيات. وتستحوذ الصين وتايوان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا على أكثر من 45 % من واردات المكسيك.

وقال خوسيه لويس برنال، السفير المكسيكي السابق لدى الصين: إن البلدين يعتمد كل منهما على الآخر، كما تحتاج أمريكا إليهما معاً، وهو ترابط أسهم في تعزيز القدرة التنافسية للمكسيك في قطاعات عدة.

لكن ترامب، الذي عاد للرئاسة متعهداً بإعادة التصنيع إلى أمريكا، استخدم الرسوم الجمركية للضغط على الحكومات الأجنبية. وهدد بفرض رسوم على الصادرات المكسيكية، بالتوازي مع اتهام سياسيين مكسيكيين بالتواطؤ مع عصابات المخدرات، والتلويح بإمكانية شن ضربات عسكرية أمريكية على تلك العصابات.

ووجدت شينباوم، التي تولت الرئاسة قبل أشهر قليلة من عودة ترامب للبيت الأبيض، نفسها أمام خيارات صعبة، فاختارت مهادنته. ويقول إيفان إليس، الأستاذ في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، إن شينباوم تسعى لاتخاذ ما تراه ضرورياً لبقاء المكسيك، ولا تريد أن تصبح أول رئيسة في تاريخ البلاد تتسبب سياساتها في انهيار اقتصادها.

غير أن التوازن ازداد صعوبة بعدما قررت واشنطن في يوليو عدم تجديد اتفاق التجارة بين أمريكا والمكسيك وكندا «USMCA» تلقائياً، الذي حل محل اتفاقية «نافتا»، وأصبح يخضع لجولات إعادة تفاوض سنوية حتى عام 2036. ولا يزال المفاوضون الأمريكيون يتهمون المكسيك ودولاً أخرى مثل فيتنام وإندونيسيا بأنها «حصان طروادة» للمنتجات الصينية. رغم اشتراط إجراء معالجة للمدخلات الآسيوية وتحويلها لمنتجات جديدة لتستفيد من الإعفاءات الجمركية الأمريكية.

ويتوقع أن تسعى واشنطن خلال إعادة التفاوض، لتشديد شروط المكون الأمريكي في المنتجات المصنعة بالمكسيك. كما يمكنها انتزاع تنازلات إضافية، مثل زيادة مشتريات المكسيك من الغاز الطبيعي الأمريكي. وتقول الإدارة الأمريكية إن هذه الضغوط تستهدف تعزيز أمن سلاسل الإمداد، في مواجهة ما تصفه بالممارسات التجارية الصينية غير العادلة التي تهدد صناعاتها.

وقد أدى الغموض بشأن مستقبل الاتفاق إلى إبطاء الاقتصاد المكسيكي، الذي يتوقع أن ينمو بنسبة 1.3 % فقط هذا العام، مقارنة بمتوسط يبلغ 2.2 % لأمريكا اللاتينية. كما شملت الرسوم البالغة 50 %، التي استهدفت السيارات والمنسوجات الصينية وغيرها من السلع، واردات شركاء تجاريين آخرين، بينهم البرازيل وكوريا الجنوبية والهند، ما زاد تكلفة التوصل لاتفاق جديد مع واشنطن.

وحتى الآن، لم تحصل المكسيك على مقابل واضح لتنازلاتها. إذ لم تخفض أمريكا الرسوم المفروضة على السيارات الخفيفة والصلب والألمنيوم، رغم إعلان ترامب وشينباوم أخيراً اقتراب التوصل لاتفاق. وبدأ بعض المكسيكيين يتساءلون عما إذا كانت حكومتهم قد قدمت تنازلات أكثر مما ينبغي دون نتائج ملموسة. في المقابل، تعمل شينباوم على إحلال المنتجات المحلية محل الواردات الصينية وزيادة التصنيع داخل البلاد، بما يدعم الاندماج الاقتصادي مع أمريكا.

وقابلت بكين تشدد شينباوم، بما في ذلك اقتراحها إخضاع الاستثمارات لمراجعة أمنية، بصبر استراتيجي. وأعلنت الخارجية الصينية ترحيبها بزيارة شينباوم المرتقبة في نوفمبر، على هامش اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، مؤكدة رغبتها في دفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين نحو مزيد من الاستقرار والتقدم.

ورغم تقليل شينباوم من أهمية الزيارة، إلا أنها تحمل إشارة إلى أن المكسيك لم تغلق الباب أمام الصين. ويقول رافائيل فالديس، المسؤول عن العلاقات مع الصين في المجلس المكسيكي للتجارة الخارجية والاستثمار والتكنولوجيا، إن بلاده تملك فرصة لتكون حلقة وصل بين أكبر اقتصادين في العالم. ويضيف أنها اضطرت لفرض الرسوم على الصين، لكنها بدأت إرسال إشارات إلى رغبتها في تنويع علاقاتها من دون تصعيد سياسي.

ولا يزال اهتمام الشركات الصينية بالاستثمار في السوق المكسيكية قائماً، وإن أصبحت قراراتها أكثر حذراً. ويرى مراقبون أن الحصول على موافقات لإنشاء مصانع صينية في الظروف السياسية الراهنة أمر مستبعد، لكنه قد يصبح ممكناً عندما تهدأ التوترات. وتلخص الرسالة المكسيكية إلى الشركات الصينية هذه المرحلة: «لا تقدموا عروضاً الآن، ولا تطلبوا شيئاً؛ فقد يصبح الأمر ممكناً عندما تهدأ الأوضاع. أما حالياً، فساعدونا كي نساعدكم».