أندي هالدين
لم يسبق لي حضور مؤتمر لحزب سياسي؛ ففكرة الاستماع إلى خطباء يفيضون بالأدرينالين وهم يلقون كلماتهم الطويلة أمام جمهور يصفق بتبعية عمياء، لم تكن يوماً ضمن اهتماماتي. لكن، بصفتي مراقباً دقيقاً للمشهد، يتضح أن هذا العام شهد اتساعاً كبيراً في الفجوة بين حزبي العمال والمحافظين فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية.
خلال العقد الذي تلا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، اتجه الحزبان معاً نحو اليمين في القضايا الاجتماعية، ونحو اليسار في السياسات الاقتصادية. فالأجندات الاقتصادية القائمة على التدخل الحكومي، التي تبناها رؤساء وزراء من حزب المحافظين، مثل تيريزا ماي وبوريس جونسون وريشي سوناك، كانت لتنسجم تماماً مع نهج «حزب العمال الجديد». وفي الانتخابات العامة لعام 2024، لم يكن هناك أي فرق يذكر بين البرامج الاقتصادية للحزبين.
أما اليوم، فقد أصبحت الاختلافات صارخة؛ إذ جاء خطاب آندي بورنهام في المؤتمر أشبه بنموذج اشتراكية الدولة الذي ساد في خمسينيات القرن الماضي، بينما عاد خطاب كيمي بادينوك إلى أفكار الثمانينيات، التي دعت إلى تقليص دور الدولة وخفض الضرائب. فأي المسارين أكثر قدرة على تحقيق النمو؟
في ظل الظروف الصعبة الراهنة، يبدو المسار نحو اليمين أكثر ترجيحاً للنجاح. أقول هذا رغم قناعتي الراسخة بأن سياسات التقشف التي انتهجها المحافظون في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كانت بمثابة «تخريب اقتصادي». وأن التوسع السريع في شبكة الأمان الاجتماعي في أعقاب جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية كان المسار الصائب في ذلك الوقت.
ففي فترة التقشف، لم يكن حجم الدين العام البريطاني أصغر بكثير فحسب، بل كانت تكلفة خدمته أيضاً في أدنى مستوياتها في التاريخ البشري. إذ ظلت تكاليف الاقتراض طويل الأجل، بعد تعديلها وفقاً لمعدلات التضخم، سلبية لفترات طويلة. ولعل ذلك كان أفضل وقت ممكن للاستثمار العام.
رغم ذلك، تم تقليص التمويل، ما أدى إلى نشوء فجوة استثمارية بلغت تريليوني جنيه استرليني مقارنة بالمنافسين الدوليين، ما أعاق النمو؛ لذا كان التوجه نحو اليمين حينها قراراً خاطئاً. في المقابل، ظلت تكاليف الاقتراض منخفضة بشكل استثنائي خلال فترة الجائحة، ما برر تدخل الدولة لدعم الأسر والشركات؛ فكان التوجه نحو اليسار حينها قراراً صائباً.
أما اليوم، فقد تغير المشهد المالي تغيراً جذرياً. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل بمقدار 4 إلى 5 نقاط مئوية، لتتجاوز الآن تقديرات معدل النمو الاسمي طويل الأجل للاقتصاد البريطاني. ويشير هذا إلى ضرورة تحقيق فوائض مالية أولية بشكل مستدام، إذا كان الهدف هو استقرار ديناميكيات الدين العام في المملكة المتحدة.
وتتعارض خطة حزب العمال، التي تهدف إلى توسيع نطاق الدولة (بتكلفة باهظة)، مع هذا الوضع المالي الهش. كما أنها تتنافى مع حقيقة أن إنتاجية القطاع العام لم تشهد أي تحسن خلال القرن الحالي. إذ أصبحت القدرة المالية للدولة وكفاءة كوادرها البشرية حالياً مصدرين للضعف الاقتصادي، لا للقوة.
وفي ظل هذا المناخ المثقل بالديون، فإن السعي نحو توسيع دور الدولة من شأنه أن يعيق النمو بدلاً من تحفيزه. كما ينطوي هذا التوجه على مخاطر فقدان الثقة في أسواق السندات، ما قد يؤدي إلى تصاعد حاد في تكاليف الاقتراض، وهو سيناريو يمكن وصفه بـ «نسخة أكثر حدة مما حدث في عهد ليز تراس». وهذا الخطر ليس مجرد فرضية بعيدة؛ فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إبسوس» أن نصف المشاركين يعتقدون أن حدوث فقدان حاد للثقة في الدين العام أمر مرجح، بدرجة كبيرة أو متوسطة، خلال السنوات الخمس المقبلة.
في المقابل، يبدو الوضع المالي للقطاع الخاص مختلفاً تماماً؛ فمستويات الديون لدى الأسر والشركات في المملكة المتحدة منخفضة، والتدفقات النقدية قوية، كما أن أوضاعهم المالية تتسم بالتوازن أو تحقيق فوائض. ونظراً لتوفر هذه الموارد، فإن مفتاح تحريك عجلة النمو في القطاع الخاص يكمن في تهيئة البيئة الملائمة للاستثمار.
وتبدو الخطط الاقتصادية لحزب المحافظين أكثر ملاءمة لهذا الهدف. إذ تتضمن، على سبيل المثال، خفض الضرائب على الأعمال والتوظيف، وتخفيف القيود التنظيمية لإطلاق العنان للطاقة الاستثمارية، فضلاً عن تقليص الإنفاق الحكومي لخفض تكاليف الاقتراض، وهو ما أكد عليه أخيراً صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا.
لقد تبنت الحكومة خطاباً يركز على الانضباط المالي ودعم قطاع الأعمال، لكن الأسواق والشركات تتطلع في الميزانية المقبلة إلى ترجمة هذه الوعود إلى أفعال ملموسة. وهي مهمة تزداد صعوبة في ظل ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، إلى جانب طموحات الحكومة، غير الممولة في الغالب، لزيادة الإنفاق في مجالات الدفاع، والرعاية الاجتماعية، وهيئة الخدمات الصحية الوطنية، وتكاليف المعيشة.
وفي ظل الظروف الراهنة التي تتسم بصعوبة بالغة للمقترضين، فإن السبيل نحو تحقيق النمو يكمن في تحفيز القطاع الخاص، وليس في ضخ الأموال في القطاع العام. هناك حاجة اليوم إلى كبح الإنفاق الحكومي طواعية، كإجراء وقائي ضد احتمالية حدوث تخفيضات أكثر حدة وقسرية في خضم أزمة ما. ولا بد أن تدرك الحكومات المثقلة بالديون هذه الحقيقة؛ وإلا فإنها ستجد نفسها تعيش على وقت مستقطع، تماماً كما تعيش على أموال مقترضة.