إذا قرأت كثيراً من التحليلات الاستثمارية هذه الأيام، فقد تخلص إلى أن الوقت حان لتصفية محفظتك والفرار إلى الملاذات الآمنة. صحيح أن جزءاً كبيراً من مؤشر الأسهم تتركز قيمته في عدد محدود من الشركات التي تعتمد ثرواتها المستقبلية على تكنولوجيا لم تتضح ربحيتها بعد، حيث تسعر «سبيس إكس» بنحو 100 ضعف مبيعاتها، فيما تستهدف «أنثروبيك» تقييماً قدره تريليونا دولار في طرحها المرتقب، رغم أن إيراداتها المعلنة لا تتجاوز 4.59 مليارات دولار. فلماذا لا يدق ناقوس الخطر في مكتبي، حتى مع تراجع أسهم أشباه الموصلات هذا الأسبوع؟ ببساطة، لأنني لا أرى أن البدائل أكثر أماناً.

لنبدأ بالنقد. قد تبدو قيمته الاسمية في البنك مستقرة، لكن قوته الشرائية ليست كذلك. فقد ارتفعت فاتورة الكهرباء لدي بنسبة 50 % خلال السنوات الخمس الماضية. ولو قيمت السيولة النقدية على أساس سعر الكيلوواط/ساعة، لوجدت أنها فقدت نحو ثلث قيمتها. ويأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه التضخم؛ فقد تجاوز النفط 107 دولارات للبرميل هذا الأسبوع، وبغض النظر عن الرئيس الأمريكي، يتزايد من يعتقدون أن مضيق هرمز لن يفتح قريباً.

في المقابل، ارتفعت الأسهم العالمية بأكثر من 70 % خلال خمس سنوات. وتقول النظرية الأكاديمية إن هذه العوائد تعويض عن تحمل مخاطر أكبر. وبوصفي مديراً لصندوق أسهم، قد أبدو متحيزاً، لكنني لا أقتنع بهذا الطرح تماماً. نعم، قد تهبط استثماراتك البالغة 1.000 جنيه استرليني في الأسهم فجأة إلى 700 جنيه أو أقل. لكن الأرقام الاسمية لا تروي القصة كاملة عند احتساب التضخم، فقد تحتاج الأسهم إلى وقت للتعافي، لكنها تستطيع ذلك، بخلاف النقد الذي لا يستعيد قوته الشرائية من تلقاء نفسه.

فالشركات تعمل في العالم الحقيقي، وأرباحها في نهاية المطاف توفر تحوطاً ضد التضخم. وتستطيع الشركات الجيدة رفع أسعارها لمواجهة التكاليف، وإذا حافظت على هوامش الربح، يفترض أن تنمو أرباحها بمقدار التضخم مضافاً إليه النمو الحقيقي في أعمالها، لينعكس ذلك على أسعار أسهمها. ويمكن للمحفظة العالمية المتوازنة تقليل المخاطر عبر قطاعات أقل تأثراً بالتضخم، مثل شركات الاتصالات، ودول تسجل تضخماً أقل.

وماذا عن السندات الحكومية؟ تفترض الأعراف الاستثمارية أن ارتفاع عوائد الأصول الموصوفة بأنها خالية من المخاطر يقلل جاذبية الأسهم ويدفع أسعارها إلى الهبوط، وهو ما لم يحدث حتى الآن. لكن لهذه النظرية حدود. فوصف السندات بأنها «خالية من المخاطر» لا يقل تضليلاً عن وصف النقد بأنه آمن. فالسندات البريطانية لأجل 30 عاماً، التي صدرت في أبريل 2021 بقيمة 100 جنيه استرليني، تتداول اليوم عند 40 جنيهاً فقط. وحتى السندات المرتبطة بالتضخم ليست حلاً مضموناً؛ فسعرها يعكس التضخم المتوقع وقت الشراء، ويكسب المستثمر إذا جاء التضخم أعلى من المتوقع ويخسر إذا جاء أدنى منه.

وتواجه الحكومات الغربية حاجة إلى إصدار كميات هائلة من الديون لسنوات مقبلة. وتبدو المشكلة الأمريكية الأكثر إلحاحاً؛ إذ أخفقت وزارة الخزانة، على ما يبدو، في تأمين التمويل بسندات طويلة الأجل حين كانت الفائدة منخفضة. وتجاوز الدين الأمريكي 40 تريليون دولار، أي نحو 300 ألف دولار لكل أسرة، فيما ارتفعت مدفوعات خدمة الدين 150 % خلال خمس سنوات. ومن هذا الدين، هناك نحو 7.25 تريليونات دولار من السندات قصيرة الأجل يجب إعادة تمويلها خلال عام، بما يتجاوز 22 % من الناتج المحلي الإجمالي. وتبلغ النسب المقابلة 8 % في بريطانيا، و10 % في فرنسا، و7 % في اليابان.

وقد تصبح المشكلة الأمريكية مشكلتنا قريباً. فإلى جانب استيعاب الخزانة هذه الكتلة الضخمة من الاقتراض، تحتاج شركات تقليدية إلى تجديد سنداتها المستحقة، فيما ستحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى نحو تريليون دولار إضافي لتمويل البنية التحتية لمراكز البيانات العام المقبل. وقد يدفع ذلك عوائد السندات إلى مستويات أعلى بكثير.

وإذا تعثر سوق السندات تحت ضغط إصدارات الخزانة الأمريكية وتمويل الذكاء الاصطناعي، فقد تهبط الأسهم بشدة على المدى القصير. فما يرتفع كثيراً قد يهبط أكثر مما يتوقعه المستثمرون.

وتبدو التقييمات مفرطة عند مقارنتها بمؤشرات طويلة الأجل مثل مؤشر «شيلر»، لكن المقارنة تضع أسواق اليوم المثقلة بالتكنولوجيا، في مواجهة أسواق هيمنت عليها البنوك وشركات النفط ذات مضاعفات ربحية منخفضة. وإذا استبعدت أسهم التكنولوجيا من المؤشرات الأمريكية، ستبدو تقييمات بقية الأسهم معقولة. وبينما تبدو أسهم الذكاء الاصطناعي باهظة الثمن، يتم تداول الأسهم في مناطق أخرى، من بريطانيا إلى اليابان والصين، عند تقييمات طبيعية تاريخياً.

وأنفقت «شنايدر إلكتريك» الفرنسية للمعدات الكهربائية 22.6 مليار دولار للاستحواذ على شركة روبوتات أمريكية. نشتري السهم ونرى الصفقة جيدة، لكن السوق لا يوافقنا؛ فقد تراجع السهم 12 % خلال أسبوعين، ليتداول عند 21 ضعف أرباح العام المقبل.

وتبدو بعض أسهم الذكاء الاصطناعي معقولة أيضاً. فـ «علي بابا»، عملاق التجزئة الصيني وأكبر شركة للحوسبة السحابية في البلاد، تتداول عند ضعفي المبيعات، رغم أن معظم إيراداتها تأتي من التسوق الإلكتروني لا الذكاء الاصطناعي. ونحن نملك أسهماً فيها.

ويمكن النظر كذلك إلى شركات الهيدروكربونات الأقل رواجاً. ينبغي الاهتمام بالانبعاثات، لكن استخدام الغاز لن يتوقف قريباً؛ ونحن نملك أسهماً في «إس إل بي»، شركة خدمات حقول النفط، عند 12 ضعف الأرباح. أما أسهم الشركات المتوسطة والصغيرة، فقد تخلفت عموماً عن طفرة التكنولوجيا، وقد تكون محمية نسبياً في ظروف السوق الحالية، لأنها لا تعتمد على سوق السندات لتمويل نفسها، كما أن تقييماتها لم تتضخم تاريخياً. لذلك، لا أستعد بعد لارتداء حذاء الجري والفرار إلى التلال.