هيئة تحرير فايننشيال تايمز
تشترك منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بعض السمات مع شركات الاستشارات، فكلاهما أصبح واسع الانتشار اليوم، وكلاهما يسعى لترسيخ حضوره في العمليات التجارية، وكلاهما يستوعب معلومات قيمة من مصادر أخرى، ليبيعها مجدداً للمستخدمين على هيئة حلول مصممة خصيصاً لتلبية تساؤلات محددة.
ولا يزال تخيل استبدال الذكاء الاصطناعي للاستشاريين بالكامل أمراً مستبعداً، بخلاف ما يتوقعه بعض المتشائمين، ويأمله كثير من منتقدي قطاع الاستشارات. غير أنه من الواضح أيضاً أن الوصول الواسع إلى مشورة مقنعة ومدروسة ومعروضة ببراعة، والتي تقدمها آلة عوضاً عن بشري مكلف، يحمل معه شرائح عروض «باور بوينت»، أصبح يفرض تحديات جديدة على نموذج العمل هذا القطاع.
وخلال فعالية يوم المستثمرين التي نظمتها شركة «أكسنتشر» هذا الأسبوع، دافعت الرئيسة التنفيذية جولي سويت عن موقف الشركة، مستندة إلى قناعتها بأن الشركات الاستشارية الكبرى التي تركز على تكنولوجيا المعلومات، مثل شركتها، تمتلك «القدرة الواسعة والكفاءات اللازمة لمساعدة العملاء على تحقيق طموحاتهم في الذكاء الاصطناعي». وفي هذه الأثناء، تقف شركات الاستشارات الاستراتيجية، مثل «ماكينزي» و«بوسطن كونسلتينج جروب» و«باين»، وعدد لا يحصى من الشركات المختصة الأصغر حجماً، على أهبة الاستعداد لتقديم خرائط الطريق التي تحتاجها الشركات.
لقد كانت هذه الشركات الكبرى تمثل «الذكاء الخارق» في السابق، أو هكذا زعمت. لكن الذكاء الاصطناعي قد يقوض سلطتها القديمة القائمة على «إقناع الناس بأن القدرة على حل المشكلات لا تقل إلهاماً عن الحلول ذاتها»، وذلك اقتباسا مما كتبه داف ماكدونالد في كتابه الصادر عام 2013، عن شركة «ماكينزي»، تحت عنوان «الشركة».
ويتطلع العملاء بشكل متزايد إلى الآلات لتولي مهمة حل المشكلات، خاصة في الشريحة الأقل تعقيداً من السوق. وفي المجالات التي تتطلب فيها الشركات المساعدة في مواجهة أعقد مشكلات الذكاء الاصطناعي وعمليات اعتماده، فمن المرجح أنها ستتوجه إلى الشركات الاستشارية القادرة على استقطاب أبرز مهندسي نشر التكنولوجيا مهارة. وفي الواقع، فإن مختبرات الذكاء الاصطناعي والجهات الجاذبة للمواهب، مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، أصبحت تسعى بنفسها وراء قطاع الاستشارات الراقية في الذكاء الاصطناعي.
نتيجة لذلك، بدأت اقتصادات شركات الاستشارات التقليدية في التراجع. في السابق، كانت المهام البسيطة تكلف مبالغ باهظة، ويتم إسنادها إلى الموظفين المبتدئين، ما يغطي تكاليف الأعمال الأكثر تعقيداً. أما اليوم، فتتولى الشركات هذه المهام بنفسها، وتوكل إنجازها إلى الذكاء الاصطناعي. ويفترض أن يؤدي عجز الاستشاريين عن فوترة الساعات التي يقضونها في إعداد حزم شرائح الـ «باور بوينت» التي يمكن لوكيل الذكاء الاصطناعي إنتاجها بسهولة، إلى تركيز العملاء ومستشاريهم مستقبلاً، وبشكل أدق على الدفع مقابل النتائج الإيجابية. وهو ما سيكون أمراً إيجابياً، رغم أن الانتقال قد يكون مؤلماً.
رغم ذلك، لم تكن شركات الاستشارات لتصمد كل هذا الوقت، لو أنها أغفلت اتجاهات الأعمال الجذرية والمغيرة لقواعد اللعبة. فقد أدركت مبكراً أن الذكاء الاصطناعي سيكون التكنولوجيا التالية التي ستثير الارتباك والحماس في الوقت نفسه داخل غرف مجالس الإدارة، فسارعت إلى تبنيه. وقد قامت شركات عديدة بالفعل بتأمين موقفها بإنشاء خدمات مؤتمتة أرخص ثمناً، يمكن للعملاء شراؤها مباشرة. كما ركزت على مكاسب الكفاءة الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، واعتمدت التكنولوجيا بسرعة في أعمالها الخاصة، مسلطة الضوء على قيمتها. وإن كانت قد كشفت أحياناً دون قصد عن عيوبها؛ كأن تنشر تقارير تشوبها «هلوسات» الذكاء الاصطناعي.
غالباً ما يمثل التغيير خبراً ساراً لخبراء التغيير. فمنذ ظهور شبكة الإنترنت، مروراً بالتحول الرقمي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية، حرصت شركات الاستشارات على إقناع العملاء بالدفع مقابل الاستشارات، وطمأنتهم، وأمدتهم بالمدخلات التقنية. وأحياناً تفوز تلك الشركات بعقودها لافتقار مجالس الإدارة إلى الشجاعة اللازمة للمضي قدماً في تغييرات مزعزعة بمفردها، وتفضيلها دفع الأموال لـ «ثلة من الجلادين المقنعين»، على حد تعبير ألكسندر ستاريت، في وصفه لفريق إعادة هيكلة تخيلي تابع لشركة «ماكينزي» في روايته الرأسمالية «درايتون ومكنزي». وحينها، قد يحتاج التنفيذيون إلى طرف يلقون باللوم عليه إذا تعثرت استراتيجيتهم.
وعلى نحو أكثر إيجابية، غالباً ما يلجأ أعضاء مجالس الإدارة والمديرون التنفيذيون إلى يد حانية وقوية، يتشبثون بها عندما يتعرض عالمهم لهزات ناجمة عن عدم اليقين. ومع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي وتطور قدراته، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الشركات ستظل بحاجة إلى تلك الطمأنة، بل إلى أي مدى ستفضل الحصول عليها من بشر حقيقيين، بدلاً من أنظمة تعتمد على السيليكون. وسيتعين على الاستشاريين، مرة أخرى، إعادة صياغة طروحاتهم وعروضهم، لتواكب هذا الواقع الجديد.