روبرت أرمسترونج

لم تترك فكرة أثراً أعمق في النقاشات العامة حول الأسواق والاقتصاد خلال السنوات الأخيرة من مفهوم «الاقتصاد على شكل حرف K»، الذي ظهر أواخر 2020، وما يعنيه هذا المصطلح هو أن الاقتصاد الأمريكي تعافى بقوة منذ الإغلاق الذي فرضته الجائحة، إلا أن هذا التعافي أخفى وراءه انقساماً عميقاً، فقد ازدهر الذراع الصاعد لأعلى من حرف «K»، الذي يمثل أغنى 10 % من الأسر، ازدهاراً هائلاً، في حين أن الشريحة الدنيا، أو الجزء المتجه لأسفل من الحرف، التي تضم نصف السكان، عانت بسبب الركود، وتحملت وطأة التضخم من دون أن تحظى بأي نصيب من طفرة الأصول المالية التي استفاد منها الأثرياء.

وتم استخدام هذه الفكرة في تفسير كل شيء؛ بدءاً من مرونة إنفاق المستهلكين، ووصولاً للمفاجآت في أرباح الشركات سواء إيجابية أو سلبية، وحتى واقعنا السياسي المعقد، لكن لندرة البيانات الحديثة عن توزيع الدخل والثروة فإن التفسيرات القائمة على نموذج حرف «K»، أو رفضها، كانت غالباً انعكاساً لتصورات مسبقة لأصحابها، أكثر من كونها إسهاماً ذا مغزى لفهم الواقع.

على أي حال قدم مسح الأوضاع المالية للأسر الأمريكية، الذي ينشره الاحتياطي الفيدرالي كل 3 سنوات، بيانات جديدة. ويقدم المسح، الذي نشر الأسبوع الماضي، صورة متعددة الأبعاد للأسر، حسب شرائح الدخل، والثروة، والتعليم، والعمر، والعرق، وغيرها من الخصائص، ومن أهم نتائجه أنه رغم التفاوت الكبير في أمريكا، إلا أنه لم يزدد بشكل ملحوظ. ووفقاً لمعظم المؤشرات لم تشهد الفجوة اتساعاً منذ بدء الجائحة، بل تقلصت في بعض الجوانب.

ولنبدأ بالدخل فعلى مدار جزء كبير من السنوات الثلاثين الماضية ارتفع دخل أعلى 10 % من أصحاب الدخول بوتيرة أسرع من بقية الشرائح، ويبلغ الدخل الوسيط لهذه الفئة اليوم 400 ألف دولار، أي 5 أمثال الدخل الوسيط للأسر الواقعة في منتصف التوزيع، وعندما بدأ المسح عام 1989 كانت النسبة أربعة أمثال، أما متوسط الدخل الحسابي، الذي يتأثر بدرجة أكبر بدخول الأثرياء للغاية، فيعكس اتجاهاً مشابهاً، وإن كان أكثر حدة، إذ يبلغ دخل الفئة الأعلى 8 أمثال دخل الفئة الوسطى، لكن، سواء اعتمدنا الدخل الوسيط أم المتوسط الحسابي، فإن نمو الدخل منذ عام 2019 كان عند الفئات الأعلى كان مساوياً لنموه لدى الفئات الأدنى أو أبطأ منه.

ويشير معدو الدراسة إلى أن السنوات الثلاث الماضية شهدت «زيادات متواضعة في الدخل الوسيط ومتوسط الدخل لدى الأسر الواقعة في الشرائح الدنيا من توزيع الدخل وصافي الثروة، في حين سجلت الأسر الواقعة في الشرائح العليا تراجعات».

وتعد الثروة، التي تقاس بصافي القيمة المالية بعد خصم الالتزامات، مؤشراً أكثر أهمية، وهنا تكشف نتائج المسح قصة دقيقة التفاصيل، ومثيرة للدهشة، فمنذ عام 1989 وحتى 2013 نما صافي الثروة الحقيقية لدى أغنى 10 % بوتيرة أسرع بكثير من نموها لدى سائر الفئات، لكن خلال السنوات الـ12 الماضية تقلصت فجوة النمو مع معظم الشرائح الأخرى أو اختفت، بحسب طريقة تقسيم البيانات، وخلال السنوات الثلاث الماضية، بحسب معدي الدراسة، «لم يطرأ تغير يذكر على التفاوت في الثروة».

صحيح أن الأثرياء للغاية ما زالوا يراكمون دخلاً وثروة تفوق بكثير ما يحققه الآخرون، لأنهم ينطلقون من قاعدة أكبر بكثير، لكن عند النظر إلى معدلات النمو تقترب الفئات المتوسطة من الفئات الأعلى، بل تتجاوزها أحياناً، ومن هذه الزاوية يبدو التعافي أقرب إلى حرف «E» مائلاً قليلاً إلى الخلف، منه إلى حرف «K».

وأضاف المسح تحليلاً جديداً ومهماً للبيانات، يتناول توزيع الإنفاق الاستهلاكي، وخلص إلى أن أعلى 10 % من السكان مسؤولون عن نحو 28 % من الإنفاق الاستهلاكي، وليس 50 % كما كانت تشير بعض التقديرات السابقة، ولو كانت نسبة الـ50 % صحيحة لكان من السهل القول إن قوة الاستهلاك الأمريكي تعود أساساً إلى إنفاق الأثرياء، لكن بما أن النسبة الحقيقية أقل بكثير فإن من الخطأ تفسير نمو الاستهلاك كله على أنه مجرد نتيجة لتفاوت الثروة، ومع ذلك ينبغي مراعاة ثلاثة عوامل.

أولها، والأهم، أن صافي الثروة لدى الربع الأدنى من السكان، وفق توزيع الثروة، ظل قريباً من الصفر في المتوسط منذ بدء المسح، ويعود جزء من ذلك للأسر الشابة التي لم تتمكن بعد من تكوين مدخرات، لكن شريحة واسعة من الأمريكيين تعيش على حافة الهاوية المالية، خصوصاً الأقل تعليماً والأقليات، وهذا وضع بالغ السوء، لكنه ليس جديداً.

ثانياً، ينبغي الانتباه إلى مصادر الثروة، ففي النصف الأعلى من توزيع الثروة جاءت الزيادات الأخيرة مدفوعة بمحافظ الاستثمارات المالية، بينما يظل المنزل هو الأصل الرئيسي الذي ترتفع قيمته لدى الشرائح الأدنى، وإذا أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى إنهاء الزيادة المستمرة في أسعار المنازل منذ نحو 15 عاماً، فقد تتسع فجوة الثروة مجدداً.

أما العامل الثالث فهو أن ارتفاع أسعار الفائدة يشكل تهديداً إضافياً للأمريكيين الأشد فقراً، فرغم تراجع مديونية الأسر قياساً إلى أصولها ترتفع تكاليف خدمة الديون، وهو ما بدأ ينعكس في زيادة حالات التأخر عن السداد.

لا تخلو بيانات المسوح من أوجه قصور، لكن مسح الاحتياطي الفيدرالي يُعد دراسة عالية الجودة، واتجاهاته واضحة، فمع بقاء التفاوت عند مستويات مرتفعة للغاية حققت الأسر الأمريكية في شرائح واسعة من توزيع الدخل والثروة مكاسب حقيقية خلال العقد الماضي، ولنأمل أن يستمر هذا التحسن، وأن تمتد ثماره إلى الأمريكيين الذين يواجهون أشد الصعوبات.