سارة أوكونور
ما الذي قد يخطر ببالك إن طُلب منك أن ترفع ثلاثة أصابع أمام وجهك في مقابلة عمل؟ ربما تعتقد أن أداءك كان سيئاً للغاية لدرجة أنهم يتحققون ما إذا كنت مصاباً بارتجاج في المخ؟ إلا أن الأرجح هو أن مسؤول التوظيف يحاول التأكد من أنك لست مجرد صورة بتقنية «التزييف العميق» بواسطة الذكاء الاصطناعي.
فأصحاب العمل يحاولون بشتى الطرق مكافحة استخدام الذكاء الاصطناعي في الاحتيال خلال عمليات التوظيف. إذ هناك باحثون عن عمل يستعينون بروبوتات المحادثة للتحايل والوصول إلى وظائف لا يملكون مؤهلاتها، أو يدفعون أموالاً لـ «بدلاء المقابلات» لإجراء التقييمات نيابة عنهم. والأكثر خطورة، وجود قراصنة يسعون للتوظيف بهويات مزيفة لاختراق الأنظمة الداخلية، بل وحتى موظفي تقنية معلومات عن بُعد يتضح لاحقاً أنهم من كوريا الشمالية. وتتوقع شركة الأبحاث «جارتنر» أن يتضمن ملف من كل أربعة ملفات للترشح حول العالم بيانات مزيفة بحلول عام 2028.
كل هذا أدى إلى صدام ثقافي داخل الشركات؛ حيث أصبح على أقسام الموارد البشرية والتوظيف المعروفة بطابعها الدافئ والمرن أن تتكيف مع ذهنية التوجس والريبة التي يتسم بها عالم الأمن السيبراني. على سبيل المثال، استحوذت منصة الموارد البشرية «ديل» (Deel) في أغسطس الماضي على شركة الأمن السيبراني القائم على الذكاء الاصطناعي «كلاريتي» (Clarity) «لدعم أمن الهوية المستمر عبر دورة حياة التوظيف والقوى العاملة».
ويقول نيف ويلف، الذي كان يعمل في «كلاريتي» ويدير حالياً قسم المنتجات في «ديل سيكيوريتي»،: إن «جمع الموارد البشرية والأمن السيبراني في غرفة واحدة أمر معقد لاختلاف مصالحهم وأهدافهم». ففرق الأمن السيبراني تسعى عادة لحشد «كل أشكال الحماية وكل المميزات الممكنة»، بينما يرى مسؤولو التوظيف في المقابل أن هذه الإجراءات «تزيد من تعقيد تجربة المرشح وتخلق عوائق أمام إتمام العملية».
فعن أي نوع من التحقق الأمني نتحدث هنا؟ لقد طرحت منصة التوظيف «جرين هاوس» نظاماً يتيح لأصحاب العمل مطالبة الباحثين عن عمل بالتحقق من الهوية. وفي هذا الصدد، يقول دانييل شايت، الرئيس التنفيذي لـ «جرين هاوس»: «يطبق البعض هذا الإجراء مبكراً في بداية العملية، بينما يؤجله آخرون إلى مراحل لاحقة».
وفي الوقت الحالي، توضح شركة «كلاريتي» أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي لفحص «حركات الوجه، وتزامن حركة الشفاه، وحركات العينين، وأنماط الصوت» وغيرها من المؤشرات خلال المقابلات المرئية، فضلاً عن إجراء مطابقات لمؤشرات مثل «الأنماط السلوكية والشخصية والإعلامية» لالتقاط أي علامات على الخداع والتضليل.
وتبدو هذه كمية هائلة من البيانات الشخصية التي يتم جمعها في عملية قد لا تنتهي حتى بتقديم عرض عمل. كما لا يخلو الأمر قطعاً من احتمال الوقوع في «إنذارات خاطئة»؛ أي تحديد مرشحين شرعيين وحقيقيين على أنهم مشبوهون، وحرمانهم من فرصة التوظيف. وإذا بدأ عدد كبير من أصحاب العمل في استخدام الحفنة ذاتها من هذه الأنظمة، فقد يجد بعض سيئي الحظ أنفسهم محظورين ومرفوضين مراراً وتكراراً.
الخبر السار هنا هو أن ميل الاتحاد الأوروبي للسن والتنظيم التشريعي قد ساعد في استباق بعض العثرات المحتملة. فكل من «اللائحة العامة لحماية البيانات» و«قانون الذكاء الاصطناعي» الأوروبي يوفران الحماية للأفراد ضد الخضوع لاتخاذ قرارات مؤتمتة وغير مفسرة، خصوصاً في المجالات ذات الأهمية البالغة كالتوظيف.
ويؤكد ويلف وشايت أن أنظمتهما صممت بعناية لتتوافق مع التشريعات الأوروبية، وأنها لا تتخذ قرارات آلية ومؤتمتة، بل تكتفي بالإشارة إلى المعلومات لتراجعها الكوادر البشرية. رغم ذلك، تبدو هذه الميزات الأمنية بمثابة ضريبة كئيبة لسباق التسلح بالذكاء الاصطناعي في التوظيف. فالمرشحون يشكون بالفعل من شعورهم بالتجريد من الإنسانية لاستخدام أصحاب العمل لهذه التقنية، بينما يرى أصحاب العمل أنهم عاجزون عن التعامل مع التدفق الهائل لطلبات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لاستطلاعات «جارتنر»، فإن نسبة الذين خاضوا مقابلة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي تضاعفت من 9 % في الربع الثالث من العام الماضي إلى 18 % في الربع الثاني من هذا العام. إلا أن 30 % فقط أفادوا بشعورهم بالارتياح تجاه هذه التجربة، و20 % فقط شعروا بأنهم تمكنوا من الحصول على إجابات لأسئلتهم الخاصة حول الوظيفة، بينما فضل 17 % فقط هذه التجربة على المقابلة مع مسؤول توظيف بشري. فهل وصلنا إلى مرحلة يرفع فيها أصحاب العمل أيديهم استسلاماً ويعودون إلى النطاق المحدود للطلبات المكتوبة بخط اليد والمقابلات الشخصية المباشرة؟
إنها فكرة جاذبة ومغرية، ولكن يجدر التذكير بأن تلك الطريقة القديمة لم تكن هي الأخرى مثالية. بل إن السيناريو الأسوأ قد يكون في مستقبل يجمع بين مساوئ كلا الطريقتين، بالعودة إلى قرارات توظيف تعتمد على العلاقات الشخصية التي تزكيهم، أو أولئك الشباب الذين يملك أولياء أمورهم نفوذاً وعلاقات. أما الباحثون عن عمل ممن يفتقرون إلى هذا الرصيد من رأس المال الاجتماعي؟ فلن يكون أمامهم سوى إجراء مقابلة عبر كاميرا الويب مع رفع ثلاثة أصابع أمام وجوههم.