جراهام ماكنولتي

المدير المؤقت لمكتب مكافحة الاحتيال الخطير

تعد الرؤى المستمدة من داخل المؤسسة أحد مفاتيح حل قضايا الاحتيال والرشوة والفساد المعقد، فلقد توليت على مدار أربع سنوات مسؤولية ملف المخبرين، أو حسب تسميتهم الدقيقة في الشرطة البريطانية «المصادر البشرية الاستخباراتية السرية». ورأيت بنفسي كيف يمكن للمعلومات الداخلية أن تفتح الباب لحل القضايا المستعصية.

صحيح أن المصادر البشرية الاستخباراتية السرية تختلف عن المبلغين عن المخالفات، إلا أن مبدأ الاستعانة بشخص من داخل المؤسسة يظل واحداً.

وبصفتي المدير المؤقت لمكتب مكافحة الاحتيال الخطير، أدرك تماماً التأثير الذي يمكن أن يحدثه المبلغون عن الفساد المالي. فغالباً ما يمتلكون مفتاح الحل للتحقيق بأكمله، إذ تساعد معلوماتهم في كشف خيوط القضايا المعقدة وتحقيق العدالة للضحايا بشكل أسرع.

ولهذا السبب، أسعدني إعلان الحكومة دعمها لنظام تقديم حوافز، وذلك كجزء من مشاورات أوسع نطاقاً حول إطار عمل الإبلاغ عن المخالفات في المملكة المتحدة، التي انطلقت يوم الاثنين. وتعكس هذه الخطوة وجود أدلة قوية ومتنامية تدعم الحاجة إلى التغيير.

وتعد هذه المسألة أولوية بالنسبة لمكتب مكافحة الاحتيال الخطير. فقد ساهمت جهودنا في توسيع نطاق المراجعة التي يجريها المحامي «جوناثان فيشر» لتشمل مسألة الحوافز، استناداً إلى التزام سابق ورد في استراتيجية الحكومة لمكافحة الفساد. وجوناثان فيشر، لمن لا يعرفه، هو محام بريطاني بارز يحمل رتبة مستشار الملك. وتم تكليفه من قبل الحكومة البريطانية لإجراء مراجعة مستقلة وشاملة لمنظومة مكافحة الجرائم الاقتصادية في المملكة المتحدة.

ولا شك أن هذه خطوة مهمة نحو نتيجة ستحدث تحولاً جذرياً في أسلوب التعامل مع قضايا الاحتيال المعقدة في المملكة المتحدة، تماماً كما مكنت التشريعات المتعلقة بعائدات الجريمة سلطات إنفاذ القانون من قلب الطاولة على المجرمين في أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحالي.

ويسهم المبلغون عن المخالفات في تقليص المدة الزمنية للتحقيقات بشكل كبير؛ فهم يتيحون لنا تركيز جهود البحث، وتحديد مسارات الأدلة الورقية التي قد يستغرق تجميعها سنوات لولا معلوماتهم، فضلاً عن خفض حجم المواد التي يتعين علينا مراجعتها بشكل هائل.

ويستغرق مكتب مكافحة الاحتيال الخطير حالياً، في المتوسط، ما يزيد قليلاً على أربع سنوات منذ بدء التحقيق وحتى اتخاذ قرار بشأن توجيه الاتهامات، أو الاتفاق على «ملاحقة قضائية مؤجلة»، أو إغلاق القضية. وهي فترة زمنية أطول بكثير مما يرغب فيه أي طرف.

ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن القضية النمطية التي يتعامل معها المكتب تتضمن ملايين عدة من الوثائق؛ وكما أشار «فيشر»، فلو طُبعت هذه الوثائق، لكان ارتفاعها سيتجاوز بكثير ارتفاع ناطحة السحاب «ذا شارد». وبمقدور المبلغين عن الفساد مساعدتنا في التعامل مع هذا الكم الهائل من الوثائق بسرعة أكبر بكثير، لو قدمنا لهم دافعاً للجوء إلينا. فالولايات المتحدة على سبيل المثال تقدم لهم حالياً دافعاً أفضل بكثير، يتمثل في مكافآت تتراوح بين 10 و30 % من إجمالي العقوبات المالية المحصلة.

ويعد المواطنون البريطانيون في الولايات المتحدة من أكبر المجموعات الأجنبية المستفيدة من برامج مكافآت المبلغين عن المخالفات. ففي الفترة ما بين عامي 2012 و2023، قدم أكثر من 700 مواطن بريطاني معلومات استخباراتية لتلك البرامج. وتدفق هذه المعلومات يعود إلى غياب الحوافز المالية للمبلغين لدينا.

إن تقديم الحوافز للمبلغين عن المخالفات أسلوب فعال؛ ومع وجود الضمانات المناسبة، تعمل هذه البرامج بنجاح في دول عدة، بما في ذلك أمريكا وكندا. وأشار تقرير صادر عن «المعهد الملكي للخدمات الموحدة» إلى أن هذه البرامج تزيد كمية ونوعية البلاغات المتعلقة بسوء السلوك المؤسسي. ففي عام 2022، استندت 86 % من قيمة التسويات المدنية والأحكام القضائية، التي بلغت 2.2 مليار دولار وحصلت عليها وزارة العدل الأمريكية، إلى معلومات قدمها مبلغون عن المخالفات.

صحيح أن هذه الدول تخضع لأنظمة قانونية مختلفة، إلا أن النمط السائد واضح، حيثما توجد الحوافز، يبادر المبلغون بالكشف عما لديهم من معلومات. ومن شأن تطبيق نهج مماثل في المملكة المتحدة أن يعيد تشكيل مشهد العدالة الجنائية، ليميل نحو المبادرة الذاتية للشركات بالإبلاغ عن مخالفاتها والإقرار المبكر بالذنب؛ ما يعني تجنب المحاكمات المتنازع عليها في ظل تزايد تراكم القضايا أمام المحاكم.

كان دفع الأموال مقابل الحصول على المعلومات يعد في السابق أمراً «غير بريطاني». لكن الوضع تغير الآن؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إبسوس» لصالح مراجعة فيشر أن 70 % من الرأي العام حالياً يدعم تقديم مكافآت مالية لمن يكشفون الفساد في الجرائم الاقتصادية الخطيرة.

إن جرائم الاحتيال والرشوة والفساد الخطيرة تضبط من الداخل. وفي الوقت الحالي، يختار عدد كبير جداً من الأشخاص الذين يمكنهم مساعدتنا التحدث في أماكن أخرى، أو الصمت التام. ولقد حان الوقت لمنحهم سبباً وجيهاً ليختاروا اللجوء إلينا.