كاميلا بالادينو

أدت الاضطرابات الهائلة في الأسواق بسبب التوترات في منطقة الشرق الأوسط، إلى خلق فرص لشركات الطاقة، وإن كان أداء بعضها أفضل من البعض الآخر. ومع استمرار انعدم الموثوقية بشكل كبير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، برزت ثلاث مزايا رئيسية قيّمة للغاية، تصب في صالح نقاط القوة لشركات النفط الأوروبية الكبرى، التي لم تكن تحظى باهتمام المستثمرين من قبل.

الميزة الأولى والأهم هي القدرة على التكرير؛ إذ لا تقوم كل شركات التنقيب عن النفط بتحويل الخام إلى منتجات متخصصة مثل وقود الطائرات والديزل. ولفترة طويلة، لم تكن الشركات التي تمارس كلا النشاطين، التنقيب والتكرير، تحظى برواج لدى المستثمرين. إذ كان من الصعب عليها منافسة المصافي الأكبر والأحدث والأقل تكلفة في الشرق الأوسط وآسيا.

إلا أن الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط أثرت بشدة على توافر هذه الأنواع من الوقود المكرر. فقد انخفضت الإمدادات إلى النصف مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وذلك وفقاً لبيانات منصة التحليلات «كبلر». وهذا يعني أن المنتجات المكررة أصبحت تباع حالياً بأسعار أعلى بكثير من سعر المادة الخام المكونة لها. ما يحقق هامش ربح يمثل مكسباً استثنائياً للشركات القادرة على إتمام عمليات التحويل أو التكرير بنفسها.

وتعد شركة «إكسون موبيل» الأمريكية من الشركات القليلة التي تمتلك نشاط تكرير ضخماً، يعادل تقريباً حجم إنتاجها من الخام. لكن بعيداً عن هذه الحالة الاستثنائية، تظل الشركات الأوروبية في وضع أفضل عموماً. إذ تمتلك شركتا «شل» «Shell» و«بي بي» «BP» أنشطة تكرير واسعة النطاق، بينما تتجاوز كميات النفط التي تكررها الشركة الإسبانية «ريبسول» حجم إنتاجها من الخام بأكثر من 80 %.

أما الميزة الثانية المهمة، ومن الرائع حقاً أن الشركات الأوروبية تمتلكها، فهي وجود أذرع تجارية قوية. فقد أدت الأزمة في منطقة الشرق الأوسط إلى ارتباك أسواق الطاقة التي كانت تتصف تاريخياً بالمرونة والتدفق الحر. ونتج عن ذلك تفاوت كبير في أسعار النفط والغاز بحسب مكان وزمان الشراء.

ويمثل هذا الوضع فرصة ذهبية للشركات التي تمتلك محفظة عالمية متكاملة من حقول الإنتاج، وخطوط الأنابيب، ومحطات التخزين، ومصافي التعدين، فضلاً عن أساطيل النقل البحري، وشبكة واسعة وعريقة من جهات الاتصال التجارية. وغالباً ما تتركز هذه المزايا في الشركات الأوروبية؛ فوفقاً لتقديرات بنك «جولدمان ساكس»، أسهمت الأنشطة التجارية لشركات «شل» و«بي بي» و«توتال إنرجيز» بنسب تتراوح بين 15 % و20 % من إجمالي أرباحها لعام 2025.

في المقابل، تفضل الشركات الأمريكية، حتى الكبرى والمنظمة منها، بيع إنتاجها في أقرب نقطة ممكنة من رأس البئر أو بوابة المصفاة، قدر الإمكان. ولا يقتصر هذا الاختلاف على قطاع النفط وحده، بل تمتد الفوارق الثقافية والتنظيمية بين جانبي الأطلسي لتخلق فائزين وخاسرين غير متوقعين. فقد أثبت ميل الشركات الجوية الأوروبية للتحوط ضد أسعار الوقود، بخلاف نظيراتها الأمريكية، توافقها التام مع مقتضيات المرحلة الراهنة.

وأخيراً، تتمثل الميزة الثالثة في القرب الجغرافي من المناطق التي تشهد أكبر اختلال في التوازن بين العرض والطلب. فقد سجلت الأسعار الفورية للغاز في أوروبا مستويات تفوق بكثير نظيراتها في الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أن تكون الشركات الأوروبية الكبرى أكثر تعرضاً لهذا السوق وتأثراً به. وفي هذا السياق، تتوقع شركة «إكوينور» النرويجية أن تبيع حقولها الغاز في الربع الثالث بسعر يزيد بنحو 50 في المائة عما كان عليه في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

ولو كانت الحرب وأزمات الطاقة حوادث عابرة، لكانت المزايا التي تتمتع بها الشركات الأوروبية مؤقتة هي الأخرى؛ فالشركات الأمريكية تتمتع بآفاق نمو أفضل وقاعدة مستثمرين أكثر دعماً. غير أن الصراع في إيران يبدو مرشحاً للاستمرار لفترة طويلة، وحتى في حال تسويته، فإنه سيترك العالم مأزوماً وأكثر انقساماً مما سبق.

ولعل أسواق الأسهم لم تستوعب هذه الحقيقة إلا ببطء تدريجي؛ فلا يزال يتم التداول على شركات النفط الأوروبية بأسعار أقل من نظيراتها الأمريكية، رغم أن الفجوة السعرية تقلصت خلال الأزمة في منطقة الشرق الأوسط. وفي الظروف الطبيعية التي كان يبدو فيها التدفق الحر للنفط أمراً مسلماً به، كان من المنطقي تماماً تفضيل الشركات الأمريكية وتقييمها بصورة أعلى، غير أن تلك الظروف الطبيعية على ما يبدو لن تعود قريباً.