بعد مرور نحو عام على توليها السلطة، تعيش حكومة الائتلاف الألماني برئاسة المستشار فريدريش ميرتس حالة من الجمود التام. إذ أدت الخلافات المستمرة بين الشريكين من تيار يمين الوسط ويسار الوسط إلى عرقلة جهود الحكومة للتعامل مع الركود الاقتصادي وتراجع القدرة التنافسية لبرلين.

وفي هذا السياق تأتي مقترحات إصلاح نظام التقاعد التي أُعلن عنها الأسبوع الماضي بدعم ظاهر من الطرفين لتشكل خطوة استثنائية تستحق الإشادة. فهي أجرأ تحرك للحكومة منذ تخفيف قيود «كبح الديون» لدعم قطاعي الاستثمار والدفاع، وتتجاوز آثارها الإيجابية حدود ألمانيا لتلقي بظلالها على النطاق الأوروبي بأكمله.

وتنص المقترحات التي أقرتها لجنة مشتركة من الحزبين على اقتطاع نسبة إجبارية أولية قدرها 0.5% من إجمالي أجور الموظفين قبل احتساب الضرائب، على أن ترتفع تدريجياً إلى 2% بحلول عام 2031. وستوجه هذه الاقتطاعات إلى صندوق تقاعد حكومي يدار بشكل مركزي ويستثمر في الأوراق المالية وأصول في أسواق رأس المال، على النمط السويدي. مع مناصفة الاستقطاعات بنسبة 50% بين الموظف وجهة العمل، كما تقرر ربط السن القانوني الأدنى للتقاعد، وهو 67 عاماً حالياً، بمتوسط العمر المتوقع، مع تضييق نطاق حقوق التقاعد المبكر المتاحة لمن أتموا 45 عاماً من الاشتراكات.

وأصبحت هذه التدابير ضرورة قصوى لتقليص العجز في نظام التقاعد الألماني المعتمد على التمويل الجاري، حيث تسدد الاشتراكات الحالية تقاعد المتقاعدين الجدد. وهو نموذج أصبح غير قابل للاستمرار. وتظهر التقديرات أن نحو 16.5 مليون شخص من جيل «جيل الطفرة السكانية»، أي المولودين في فترة الانتعاش السكاني عقب الحرب العالمية الثانية. سيتزايد خروجهم للتقاعد بحلول عام 2030، مقابل دخول 12.5 مليون عامل جديد فقط إلى سوق العمل. وكانت الحكومة الاتحادية قد خصصت نحو ربع ميزانيتها العامة عام 2024 لتغطية الفجوات المالية في هذا النظام.

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه النسبة قد تتضاعف لتلتهم 50% من إجمالي الميزانية الاتحادية خلال عقدين من الزمن. ويتوقع أن يؤدي ربط سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع إلى زيادة تدريجية بطيئة، ليصل سن التقاعد إلى 67.5 عاماً بحلول عام 2041، و70 عاماً بحلول عام 2091.

رغم ذلك، يؤكد الاقتصاديون أن هذا الإجراء يمثل السبيل العلمي الوحيد لاستقرار نظام التقاعد دون اللجوء إلى زيادة الاستقطاعات من الأجور بنسب قياسية، أو تقديم إعانات حكومية ضخمة تؤثر على مالية الدولة، كما يسهم تقييد حقوق التقاعد المبكر في كبح نزيف الكفاءات والخبرات العمالية، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص حاد في العمالة الماهرة.

في المقابل، تشمل السلبيات المترتبة على هذا الإصلاح زيادة التكاليف الاجتماعية الملقاة على عاتق أصحاب العمل، وهو ما يتناقض مع الوعود الانتخابية التي قطعها المستشار ميرتس العام الماضي بوضع حد أقصى لرسوم التكافل الاجتماعي، في وقت يمر فيه القطاع الشركات الألماني بضغوط شديدة، ويشهد الاقتصاد حالة من السكون.

غير أن المستشار يطرح رؤية عملية مفادها أن هذه الخطوة تعد المسار الوحيد المتاح لضمان بقاء اشتراكات التقاعد عند مستويات مقبولة، ويمكن سدادها على المدى الطويل. وتشكل خطة التقاعد، المكونة من 33 بنداً، جزءاً من إعادة هيكلة شاملة ومخطط لها لشبكة الرعاية الاجتماعية في ألمانيا، التي تشمل التأمين الصحي ورعاية كبار السن.

ومن الضروري أن يواصل الائتلاف الحاكم المضي قدماً في إقرار بقية محاور حزمة التعديلات لتخفيف الأعباء عن كاهل قطاع الأعمال، إلى جانب معالجة المزايا والمنافع الأخرى، ومنها الربط الجزئي لإعانات البطالة بالدخل السابق للعامل. ولا تزال الخطة عرضة للتعثر إذا أصر أعضاء البرلمان على إدخال تعديلات وملاحظات مكثفة عليها.

لكن إذا نجح إقرارها، فستشكل قفزة نوعية نحو بناء سوق رأس مال حقيقي داخل ألمانيا. فرغم أنها ستضخ نحو 30 مليار يورو سنوياً فقط في البداية، إلا أنها ستغرس ثقافة الاستثمار في الأسهم لدى المواطنين الألمان، الذين يميلون تاريخياً للادخار في صورة نقود سائلة أو أدوات مالية منخفضة المخاطر، فضلاً عن إيجاد سيولة استثمارية أوسع نطاقاً.

وستضع هذه الخطوة ألمانيا، وإن جاءت متأخرة، على مسار دول مثل الدنمارك وهولندا والسويد، التي بادرت مبكراً بدعم نماذج التقاعد المعتمدة على التمويل من ركائز استثمارية وروافد من أسواق رأس المال. كما ستعطي إشارة إيجابية للمستثمرين بأن برلين قادرة، حين تتوافر الإرادة السياسية، على مواجهة التحديات الهيكلية العميقة، وذلك على عكس حالة الشلل السياسي المزمن التي تعطل إصلاح نظام التقاعد في فرنسا.

فضلاً عن ذلك، قد تسهم هذه الخطة في دفع جهود الاتحاد الأوروبي لإنشاء «اتحاد أسواق رأس المال»، وهو المشروع الذي طالما تعطل بسبب التحفظ التاريخي لألمانيا، المحرك الاقتصادي لمنطقة اليورو، تجاه الاستثمار في أسواق الأسهم، كما سيحفز وجود ركيزة تقاعدية ممولة من الاستثمار المباشر وبقوة دعم التكامل والتوسع في أسواق رأس المال الأوروبية. وبهذا لا تكتفي برلين بحماية شبكة الأمان الخاصة بالتقاعد مستقبلاً فحسب، بل قد تسهم أيضاً في خلق الإرادة السياسية الكفيلة بإطلاق الإمكانات المالية الشاملة للقارة الأوروبية.