ستيوارت كيرك 

  لا يبدو المشهد العام للاقتصاد العالمي مريحاً على الإطلاق. ورغم أن المحاكم الأمريكية كبلت الجزء الأكبر من أجندة الحماية الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب، إلا أن معدل الرسوم الجمركية الفعلي في الولايات المتحدة، بصفتها أكبر اقتصاد في العالم، لا يزال عند أعلى مستوياته منذ عقود.

  ربما يذكر القراء ما كتبته سابقاً عن توزيع أصولي في الأسهم الأمريكية، وتحديداً حين تخليت عنها بالكامل. لكنني كنت قلقاً حينها من أن الاقتصار على الأسهم البريطانية أو اليابانية، مهما فضلتها، لا يستقيم منطقياً؛ فإذا صدقت توقعاتي بأن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مقوم بأعلى من قيمته العادلة وهوى، فستسقط معه الصناديق الأخرى التي أمتلكها بفعل الثقل الهائل للسوق الأمريكية.

لهذا السبب بعت العام الماضي كل سهم أمتلكه، حين تملكني القلق من امتداد الموجة الصاعدة. ولهذا أيضاً اشتريت حصة ضئيلة في الأسهم الأمريكية عند عودتي، لأن تخصيص نسبة صفرية لها حكم يفتقر إلى الاتساق، ولأنني أستطيع تبرير الاحتفاظ بها، ما دمت أحتفظ بحصص في الأسواق الأخرى. 

ولا أزال مقتنعاً بهذا المنطق. لكن المشكلة أنني أرى شركات الذكاء الاصطناعي مقومة حالياً بأسعار مبالغ فيها للغاية، وأن التراكم المفرط للديون المرتبطة بها، يعيد للأذهان مشهداً أليماً يعرفه كل من عاصر دورات الانتعاش والانهيار. وقد قال راي داليو مؤسس صندوق «بريدج ووتر أسوشيتس»، هذا الأسبوع، إن الذكاء الاصطناعي «فقاعة تقليدية»، وإننا «نقترب» من اللحظة التي تنفجر فيها مثل هذه الفقاعات.

ماذا لو اتفقت مع داليو؟ هل عليك تصفية بقية أسهمك لتستعيد محفظتك اتساقها؟ لحسن الحظ، يبدو أنك لم تعد بحاجة إلى هذا الإجراء القاسي، وربما لم أكن أنا بحاجة إليه أساساً. ففي مرحلة الخروج من جائحة كورونا وبروز ظاهرة الذكاء الاصطناعي (2022-2023)، كانت حتى الأسهم الأقل صلة بالتقنية، كالتجزئة والمرافق والطاقة، ترتبط إيجاباً بالمؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي بمعامل 0.5، أي إنها كانت ترتفع وتنخفض معه تقريباً.

أما اليوم، فقد تحول الارتباط إلى سالب 0.4؛ فحين تراجعت أسهم «جوجل» و«إنفيديا» مؤخراً، ارتفعت أسهم شركات مثل «ديوك إنرجي» للمرافق و«كوكاكولا». صحيح أن أبرز 5 أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تزال تحتفظ بارتباط إيجابي قوي يبلغ 0.8، لكن الفجوة بينها وبين الأسهم الأقل ارتباطاً بالتقنية، اتسعت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

وماذا يعني ذلك بالأموال الحقيقية؟ في أسوأ 10 % من الأيام من حيث العوائد، ينخفض مؤشر الذكاء الاصطناعي في المتوسط 2 %، بينما لم يكن مالك الأسهم الخمسة الأضعف ارتباطاً به ليسجل خسائر تذكر في تلك الأيام. وبذلك يستطيع المستثمر الذي يرى في الذكاء الاصطناعي طفرة شبيهة بفقاعة الإنترنت، أن يمتلك سلة أسهم توفر له حماية جزئية إذا انفجرت الفقاعة. لكن لنكن واقعيين: جلسات التراجع هذه لا تقارن بالانهيارات الكبرى. فقد عاصرت انهيار 2008 و2020، وأؤكد أن النيران طالت كل الأسهم دون استثناء.

كما يرى داليو وغيره، أن شرارة الفقاعة ستكون ارتفاع تكاليف الاقتراض، وهو ما سيضر حتى بالقطاعات الدفاعية كالمرافق العامة، التي تتحرك تقييماتها عادة عكس أسعار الفائدة. فهل من طرق أخرى للحماية؟ نعم، التنويع الجغرافي عالمياً يوفر قدراً منها؛ ففي أسوأ أيام أسهم الذكاء الاصطناعي، تراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي 1 % في المتوسط، أي نصف هبوط القطاع التقني.

وتبدو الأسواق البريطانية أقل تأثراً بكثير، لأن شركاتها المتبقية تتوزع غالباً بين البنوك والنفط، فلم يتراجع مؤشرها منذ 2022 في تلك الأيام إلا 0.3 %. وتبرز الصين خياراً أكثر أماناً بتراجع 0.1 % فقط، كما توفر ماليزيا والهند وأستراليا وأوروبا (عدا بريطانيا) جدار حماية جيداً. ويذكرني ذلك ببنك عملت فيه سابقاً، نجا من أزمة الرهن العقاري الثانوي، لا لذكاء إدارته، بل لتأخره الشديد في دخول تلك السوق! في المقابل، لا تبدو الأسواق اليابانية مشجعة بسبب إنتاجها المكثف لأشباه الموصلات، وكذلك موقفي القائم على زيادة الوزن في كوريا الجنوبية، أما تايوان فالخطر يحدق بها من كل جانب.

وإن أردت الانكشاف على السوق الأمريكية دون أن تكتظ محفظتك بأسهم التقنية، يمكنك شراء صندوق يتتبع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» متساوي الأوزان، أو إعادة موازنة حيازاتك من أسهم الذكاء الاصطناعي بشكل دوري وحازم. وثمة خيار آخر، هو الموازنة بالذهب أو النقد أو السندات قصيرة الأجل، وهناك صناديق متداولة عكسية أو قصيرة، رغم أنني كتبت سابقاً عن مخاطرها الجسيمة. أما أنا، فقد خفضت وزني في السوق الأمريكية كثيراً، ورفعت حيازاتي من الأسهم البريطانية بكثافة، مع الاحتفاظ ببعض السندات، وكميات ضخمة من الين الياباني، الذي يرتفع عادة بقوة حين تودع الأسواق مرحلة الرخاء.