كاتي مارتن

صباح الخير، لقد أمضيت عطلة نهاية أسبوع ممتعة في مدينة «رين» الفرنسية، بين مبانيها التاريخية الجميلة وأسواق طعامها المذهلة، وسط أجواء حيوية وتحركات طلابية غاضبة. 

ورغم أن أحداً في الشارع لم يُظهر قلقاً مفرطاً من الارتفاع الحاد في عائدات السندات الفرنسية، إلا أن المستثمرين في الأسواق المالية يتبنون رأياً مختلفاً تماماً، إذ اتسعت الفوارق بين العائد على السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية، في حين تراجع اليورو إلى أدنى مستوياته في 17 شهراً.

وقد كانت سوق أسعار الفائدة في منطقة اليورو قاسية للغاية على العديد من صناديق التحوط هذا العام، إلى حد جعل المخضرمين الذين عاصروا أزمة الديون الأوروبية يستعيدون مشاعر القلق الشديد الخاص بتلك الفترة.

وعلى الجانب الآخر من العالم، وتحديداً في اليابان، طالبت رئيسة الوزراء «ساناي تاكايتشي» مستثمري السندات بالوثوق في خطط حكومتها المالية، غير أن تسجيل عائدات السندات اليابانية لأجل 30 عاماً مستويات قياسية تاريخية يرجح أن الأمور لا تسير على النحو المطلوب.

وهنا يطرح السؤال نفسه، أي السندين تفضل حيازته لمدة 30 عاماً، السندات الفرنسية أم اليابانية؟

كما فاجأ التحول الصاعد للدولار كثيراً من المراقبين والمستثمرين، حيث استقر مؤشر الدولار عند مستويات قريبة من 102 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ ربيع العام الماضي.

ويعود الجزء الأكبر من هذا الصعود إلى الارتفاع المتواصل في عائدات سندات الخزانة الأمريكية، وتراجع عمليات التحوط ضد مخاطر العملة.

والعامل الأكثر ارتباطاً بهذا المشهد هو الطفرة الكبيرة لقطاع الذكاء الاصطناعي.

ويستند المنطق الاقتصادي لهذه الظاهرة، وفقاً للتحليل الذي قدمه كبير الاقتصاديين في بنك «نومورا»، روب سوبارامان، إلى فكرة بسيطة وواضحة. وهو أن الاستثمارات الموجهة لقطاع الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم تضخمت بدرجة هائلة.

وجذبت تدفقات رأسمالية ضخمة من مختلف أنحاء العالم، ما جعل الأسواق العالمية تقوم بعمليات شراء مكثف للعملة الأمريكية. وأصبحت الأسواق المالية الأمريكية والذكاء الاصطناعي وجهين لعملة واحدة إلى حد كبير.

أوضح الخبير الاقتصادي سوبارامان، بالتعاون مع زميله ييرو تشن بجمه، أن حجم استثمارات العالم داخل أمريكا شهد تضخماً غير مسبوق، نتيجة التدفقات المالية الضخمة والأرباح الهائلة التي حققتها الأسهم الأمريكية بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي.

والمثير للاهتمام أن هذه الاستثمارات المقومة بالدولار أصبحت تستحوذ وحدها على 80 % من صافي الاستثمار الدولي لجميع الدول الدائنة في العالم، ما يعكس تركز ثروات العالم الفائضة وضخها في الاقتصاد الأمريكي.

ولتوضيح حجم هذا التحول التاريخي، كانت الاستثمارات العالمية داخل الولايات المتحدة عام 2010 تعادل إجمالي ثروة اليابان الخارجية، التي كانت أكبر دولة دائنة في العالم آنذاك.

أما بحلول عام 2025، فقد تضخم الرقم بشكل هائل لدرجة أنه أصبح يتطلب جمع استثمارات أكبر 10 دول دائنة في العالم معاً لمعادلة حجم الأموال والاستثمارات التي يملكها العالم داخل أمريكا.

وستستمر هذه الديناميكية بنجاح طالما أن الأمور تسير على ما يرام، ولكن يمكن لأي متابع للشأن الاقتصادي أن يحدد بسهولة مجموعة من المخاطر التي قد تعصف بطفرة الذكاء الاصطناعي؛ بدءاً من تلاشي المزايا التنافسية للشركات، وصعوبات تحقيق عوائد مالية مجزية من التقنية، وصولاً إلى المخاوف المتعلقة بالتقنيات المستقلة، أو ما هو أشد تأثيراً: النزاعات القضائية والقيود التنظيمية.

وإذا تعرضت هذه الطفرة لهزات، فماذا سيفعل المستثمرون؟ سيتجهون بطبيعة الحال إلى بيع الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة للمستثمرين خارج الحدود، يعني هذا التخلص من كميات ضخمة من الأصول والسيولة المقومة بالدولار.

وفي السياق نفسه، أشار جيف يو من بنك «بي إن واي» في تقرير حول التحوط من العملات حيازات الأسهم وأدوات الدين الأمريكية عبر الحدود حتى نهاية سبتمبر.

حيث تظهر البيانات هبوط مستويات التحوط ضد تقلبات الدولار إلى أدنى مستوياتها، على عكس المتوقع؛ ما يعني أن المستثمرين قبلوا تحمل مخاطر الأصول ومخاطر العملة معاً دون حماية.

وهذا يعني أن أي تحول عكسي في نسب التحوط، أو وقوع صدمة لأسواق الأسهم الأمريكية، أي لصفقات الذكاء الاصطناعي، فسيتطلب هذا موجات بيع مكثفة للدولار من المستثمرين الدوليين.

وفي العادة، يميل الدولار إلى الانتعاش والاستفادة خلال الأزمات المالية بوصفه ملاذاً آمناً، حتى وإن كانت الأزمة نابعة من الاقتصاد الأمريكي نفسه.

لكن في حال حدوث اضطراب ناتج عن تراجع استثمارات الذكاء الاصطناعي، فإن قدرة الدولار على الصمود ستظل موضع شك.

ويبقى هذا الطرح حتى اللحظة ضمن إطار التحليل النظري، وقد لا يتحقق سيناريو التراجع بالضرورة.

وحتى لو حدث، فقد لا يتعدى الأمر كبوة مؤقتة تعقبها مرحلة تعافٍ. لكن هذا المشهد يوضح مدى التأثير الذي تحدثه فكرة استثمارية واحدة عندما تهيمن على العالم؛ حيث أصبح كل شيء مرهوناً بالتكنولوجيا.

وإذا أردنا حصر الأسواق والأصول الأكثر عرضة للمخاطر في حال مواجهة الذكاء الاصطناعي عقبات جادة، فإن القائمة تشمل، أسواق الأسهم العالمية بأكملها، وأسواق الاستثمار الخاص ورأس المال الجريء، والدولار الأمريكي.

في المقابل، هناك جانب إيجابي محتمل؛ إذ قد يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض عائدات سندات الخزانة الأمريكية.

وكما هي العادة في الأسواق المالية، فإن لكل تحول جانباً إيجابياً وآخر سلبياً.