كريس جايلز

تتصدر قفزة تكاليف الاقتراض الحكومي طويل الأجل المشهد المالي العالمي في 2026.

فقد ارتفع متوسط عوائد السندات السيادية لأجل عشر سنوات في مجموعة الدول السبع بنحو نقطة مئوية كاملة، ما أثار تساؤلات عن أسباب هذا الارتفاع: هل يطالب المستثمرون بعائد أكبر لتعويض مخاطر السياسة المالية؟ أم أن السبب هو توقع نمو اقتصادي أقوى، أم منافسة عالمية على رؤوس الأموال، أم مخاوف من استمرار التضخم بسبب الحرب في إيران وارتفاع أسعار النفط؟ وربما تعكس العوائد أيضاً توقعات بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو فقدان البنوك المركزية بعض مصداقيتها، أو زيادة تأثير صناديق التحوط في سوق السندات.

خلال مؤتمر صحفي في سبتمبر، لخص رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفين وارش، الأسباب في ثلاثة عوامل: قوة الاقتصاد الأمريكي، والمنافسة على رؤوس الأموال، والتطورات الجيوسياسية. لكنه أقر أيضاً بأن كثرة التفسيرات المطروحة تجعل من الصعب تحديد سبب واحد للارتفاع، وهو أمر تؤكده البيانات.

فالتوقعات بشأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل شديدة التقلب، وغالباً ما تخطئ. وحتى «علاوة الأجل»، التي يفترض أن تعكس التعويض الذي يطلبه المستثمرون عن الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، يصعب قياسها.

ويقدم بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وبنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو تقديرات مختلفة تماماً لها؛ إذ يشير الأول إلى انخفاضها هذا العام، بينما يرى الثاني أنها ارتفعت.

لكن هناك نتيجة أكثر وضوحاً: البنوك المركزية ما زالت تتمتع بقدر كبير من المصداقية في مكافحة التضخم؛ فالفارق بين عوائد السندات العادية والسندات المرتبطة بالتضخم يعكس توقعات الأسواق لمعدلات التضخم المستقبلية، وتظهر هذه التوقعات على المدى الطويل، خصوصاً للفترة بين 2031 و2036، مستقرة وقريبة من المستويات المستهدفة في معظم الاقتصادات المتقدمة.

وتبرز بريطانيا استثناءً جزئياً، إذ تشير عوائد سنداتها إلى مخاوف أكبر بشأن مصداقية بنك إنجلترا مقارنة بنظرائه.

في الوقت نفسه، ارتفعت توقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل بشكل حاد.

ففي بداية العام، كانت الأسواق تتوقع خفض الفائدة الأمريكية إلى نحو 3 %، بينما تشير التوقعات الآن إلى نحو 4.75 %. ويمثل هذا التحول أحد أهم أسباب ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل.

وكانت الحرب في إيران وارتفاع أسعار النفط عاملاً إضافياً. فقد كانت العوائد تتجه إلى الانخفاض قبل اندلاع الحرب، ثم ارتفعت مع تصاعد الصراع، وتراجعت قليلاً عندما هدأت التوترات في يونيو، قبل أن تعاود الصعود.

ويبدو أن الأسواق تتوقع من البنوك المركزية تشديد السياسة النقدية لمواجهة أي ضغوط تضخمية ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

وهناك أيضاً من يرى أن العوائد تتحرك استجابة مباشرة لرسائل البنوك المركزية. وتدعم دراسة لبول بودري وباولو كافالينو وتيم ويليامز وجود علاقة بين العوائد طويلة الأجل منذ 2020 وبيانات الوظائف الأمريكية وتصريحات مسؤولي البنوك المركزية.

لكن من الصعب القول إن تصريحات المسؤولين هي السبب الرئيسي للارتفاع، خصوصاً أن محاولات الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي لتهدئة توقعات الفائدة لم تحقق نجاحاً كبيراً.

ويرى وارش أن ارتفاع العوائد يعكس قوة الاقتصاد، خصوصاً الأمريكي. لكن هذه القوة قد تكون مبالغاً فيها أحياناً. فنمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يبدو قوياً في بعض البيانات الفصلية، إلا أن النمو في الربعين الأول والثاني لم يكن استثنائياً.

وحتى مع نمو الاستثمار في البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات بنحو 20 % خلال العام المنتهي بالربع الثاني من 2026، وارتفاع الاستثمار الخاص غير المالي بنحو 10 %، لم يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي كثيراً متوسطه منذ 2011.

كما تذكرنا تجربة 2022 بالحذر من المبالغة في تقدير أثر طفرة الاستثمارات الجديدة على النمو.

وقد يكون تفسير ارتفاع العوائد أبسط: العرض والطلب. فالحكومات تقترض بكميات ضخمة، وفي الوقت نفسه تحتاج شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية إلى تمويل هائل لتطوير البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وتشير بيانات توبي نانغل إلى أن إصدارات ديون شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى أصبحت تمثل 13.8 % من إجمالي إصدارات الخزانة الأمريكية، مقارنة بـ1.3 % في 2024.

لكن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تفسر وحدها ارتفاع العوائد العالمية، إذ لم ترتفع ديون الشركات الأمريكية ككل مقارنة بديون الحكومة. وتبقى الزيادة الكبيرة في المعروض من الديون الحكومية عاملاً مهماً.

وتشير أبحاث الاحتياطي الفيدرالي إلى أن كل زيادة قدرها 100 مليار دولار في معروض سندات الخزانة الأمريكية ترفع عائد السندات لأجل خمس سنوات بنحو 0.03 نقطة مئوية.

أما المخاطر المالية، فلا تشير الأسواق إلى أزمة ديون وشيكة في الاقتصادات المتقدمة.

لكن الدول ذات مستويات الدين المرتفعة أو التي تفتقر إلى خطط واضحة لخفض العجز، مثل فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة واليابان، شهدت ارتفاعاً أكبر في عوائد سنداتها، ما يعني أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر عن مخاطر السياسة المالية.

وقد تكون صناديق التحوط عاملاً آخر في تضخيم تحركات السوق. فقد ازداد دورها في أسواق السندات الحكومية على حساب المستثمرين التقليديين، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين والمستثمرين الأجانب.

وحققت بعض الصناديق أرباحاً كبيرة من الرهان على انخفاض أسعار السندات، مستفيدة من استراتيجيات تتبع الاتجاهات وتعزيز الروايات السلبية.

وهذا يثير سؤالاً مهماً: هل تعكس عوائد السندات فعلاً الأساسيات الاقتصادية والمالية، أم أن جزءاً من تحركاتها ناتج عن سلوك المستثمرين أنفسهم؟