روبرت أرمسترونج

تراجعت أسعار الديزل عقب إفراج مجموعة الدول السبع عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية.

فهل يستمر هذا الأثر الإيجابي؟ واقعياً، لا بد للضغوط أن تنفرج من جانب ما، إذ تزيد أسعار الديزل للتجزئة في أمريكا حالياً بنسبة 70% مقارنة بمستواها قبل عام، وكلما طال أمد هذه الارتفاع، استمر تفاقم الضغوط الاقتصادية والسياسية.

جاء تقرير الوظائف لشهر سبتمبر أضعف قليلا من التوقعات. ففي مسح معيشة الأسر، ارتفع معدل البطالة بنسبة بسيطة كافية لتقريبه بمقدار عشر نقطة مئوية إلى 4.2%. أما في مسح المؤسسات والشركات، فقد أضيفت 29 ألف وظيفة فقط، وهو رقم يقل عن التوقعات، وعن المتوسط المتحرك لثلاثة وستة أشهر.

فهل تدعو هذه الأرقام للقلق؟ وهل ينبغي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يقلق؟ الإجابة في الحالتين: هناك قدر من الاهتمام، لكن دون مبالغة. إذ يؤكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، أنه يركز على الاتجاهات العامة طويلة الأجل وليس على نقاط بيانات منفردة؛ والاتجاه الأساسي في سوق العمل الأمريكي، هو تحسن بطيء لكنه منتظم وثابت.

ويظهر إجمالي التوظيف عبر المتوسط المتحرك لستة أشهر أن سوق العمل بلغ أدنى مستوياته في النصف الثاني من العام الماضي، ثم استعاد عافيته تدريجيا منذ ذلك الحين.

رغم ذلك، يجب عدم الخلط بين التعافي التدريجي والازدهار الاستثنائي. فالقطاعات التقليدية الكبرى، كالصناعات التحويلية، والإنشاءات، والترفيه والضيافة، أضافت جميعها وظائف في سبتمبر بأقل مما سجلته في أغسطس.

ورغم صدور تقرير وظائف ضعيف نسبياً، بعد تقرير أضعف لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي، لم يشهد سوق السندات أي انفراجة. بل على العكس، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل سنتين ولأجل 10 سنوات، بعد أن كانت قد انخفضت فور صدور أرقام الوظائف.

فما تفسير ذلك؟ الواقع أن الأمر يحتمل قراءات عدة؛ أحد الاحتمالات هو أن الرقم الذي يستحوذ فعلياً على اهتمام الأسواق هو نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.

فقد تم تعديل رقم الربع الثاني بالرفع إلى 2.5% الأسبوع الماضي، بينما يبدو أن رقم الربع الثالث يقترب من 3%. وهذا يجعل من الصعب الاعتقاد بأن التضخم سينحسر من تلقاء نفسه، خصوصا في ظل مشهد الطاقة الراهن.

وقد يكون مستثمرو السندات يركزون أيضاً على حقيقة مزعجة، وهي أن المحركين الأساسيين للطلب المحلي، وهما طفرة الذكاء الاصطناعي وأثر الثروة الناجم عن الارتفاع المتواصل لأسعار الأسهم، لا يبدوان حساسين لمستويات أسعار الفائدة.

وإذا استمر هذا الوضع، سيضطر الفيدرالي للضغط بقوة أكبر على القطاعات الأكثر تأثرا بالفائدة، مثل قطاع الإسكان، والشركات والأسر المثقلة بالديون، للوصول إلى مستهدفه في نسبة التضخم، وهو سيناريو غير مريح على الإطلاق.

كما يجب التعامل بحذر مع مؤشر «اتساع نطاق السوق». فافتراض أن نسبة الأسهم الصاعدة أو الهابطة داخل المؤشر تمثل مؤشراً موثوقاً هو افتراض غير دقيق؛ إذ لا تدعمه البيانات التاريخية.

لكن عندما يظهر لنا أن السوق صاعد، بينما يتقلص نطاق الشركات المشاركة فيه، فهذه إشارة واضحة على تراجع الدعم، ولا يمكن تجاهلها.

فعندما ترتفع الأرباح أو التقييمات عبر شريحة واسعة من الشركات، فإن ذلك يعكس اقتصاداً متيناً وثقة شاملة لدى المستثمرين؛ أما عندما تقتصر الزيادة على شريحة ضيقة، فهذا دليل على هشاشة البنية المالية.

ومنذ منتصف أغسطس تقريباً، انهار اتساع مؤشر «إس آند بي 500» وفق غالبية المقاييس. على سبيل المثال، تراجع عدد شركات المؤشر التي يتم تداول أسهمها فوق متوسطها المتحرك لـ 50 يوماً بشكل ملحوظ.

ويكمن الفارق بين الانحسار الحالي والانحسار السابق في فصل الربيع، في أن المؤشر بأكمله تراجع في المرة السابقة. أما هذه المرة، فالمؤشر يحافظ على مستوياته المرتفعة.

وهذا يعني أن عدداً قليلاً من الأسهم القيادية ذات الوزن الثقيل يحمل المؤشر بمفرده. ولا يدعو للاستغراب معرفة أن هذه الأسهم تنتمي لقطاع التكنولوجيا؛ حيث عادت شركات الحوسبة السحابية العملاقة وأسهم أشباه الموصلات لعرض عضلاتها مجدداً خلال الشهر الماضي تحديداً.

في المقابل، تبدو القطاعات الأخرى ضعيفة للغاية؛ إذ لم ترتفع أسعار سوى ربع أسهم مؤشر «إس آند بي 500» فقط خلال سبتمبر. وتتراجع غالبية الأسهم في 10 قطاعات من أصل 11 قطاعاً رئيسيا.

ولا يعني هذا أن أسواق الأسهم على وشك الانهيار. فمكاسب السوق تركزت في قطاع التكنولوجيا لسنوات دون آثار جانبية حادة. رغم ذلك، يوضح هذا الواقع أن الارتفاع السريع لأسعار الفائدة يترك أثره المباشر على السوق رغم استقرار المؤشرات الرئيسية، حيث تتصرف قطاعات عدة وكأنها تمتص صدمة الفائدة العالية.

ويبقى السؤال الأصعب، هل الاستثمار في قطاع التكنولوجيا هو المحرك الوحيد للنشاط الاقتصادي؟ المرجح خلاف ذلك؛ فبيانات مبيعات التجزئة والاستهلاك الشخصي تشهد استقراراً ملحوظاً، واستطلاعات أداء الشركات تؤكد استمرار التوسع.

غير أن هناك بيانات بارزة ترفض الانسجام مع مؤشرات النمو العريضة. فالتقارير الضعيفة الأخيرة الصادرة عن شركة «وول مارت»، والتي تكررت في شركات سلع استهلاكية أخرى، إلى جانب ارتفاع أسعار الجملة، وتراجع الأجور الحقيقية، وانخفاض المدخرات، تثير القلق من أن انحسار اتساع الأسواق قد يكون يسبق توجهاً اقتصادياً جديداً.