بيليتا كلارك

يتجه بعض الرؤساء التنفيذيين إلى إرسال رسائل إلكترونية أسبوعية لإطلاع موظفيهم على مجريات العمل، بينما يفضل آخرون عقد جلسات حوارية افتراضية كل بضعة أشهر، أو تدوين أفكارهم عبر منصة «لينكد إن»، لكنني لست متأكدة من وجود رئيس تنفيذي يتبع نهجاً يماثل تماماً ما يقوم به غريغ جاكسون، مؤسس مجموعة «أوكتوبوس إنرجي» البريطانية لتزويد المنازل بالطاقة.

والتي أسسها عام 2015، ففي تمام الرابعة والربع من عصر كل يوم جمعة يحث جاكسون كوادر الشركة، الذين يربو عددهم على 13 ألف موظف يتوزعون في ثماني دول، على الانضمام إلى جلسة تعرف بـ«العشاء العائلي»، وهي جلسة افتراضية تستغرق نصف ساعة، تتسم بالطابع الودي السريع، وتتخللها عروض تقدمية خاطفة، يقدمها جاكسون وكبار مسؤوليه لاستعراض أحدث مستجدات الشركة.

وفي إحدى الجلسات التي تابعتها مؤخراً من مقر المجموعة الرئيسي في شارع «أوكسفورد» بالعاصمة اللندنية بدأت الملامح كالتالي:

مع اقتراب الساعة الرابعة والربع أغلقت الكوادر أجهزة الحاسوب، واستحوذوا على المشروبات من ثلاجات الشركة، ثم استقروا أمام شاشة عرض كبيرة في قاعة الاجتماعات العامة.

وسرعان ما ظهر جاكسون عبر الشاشة متحدثاً عن انطباعاته عقب لقاءاته مع عملاء المجموعة، خلال الفعاليات المباشرة، التي تنظمها الشركة في مختلف أنحاء البلاد.

واستعرض تجربة زوجين في مدينة مانشستر تمكنا من خفض فاتورتهما الشهرية إلى 12 جنيهاً استرلينياً فقط، بفضل استخدامهما بطارية منزلية ومضخة حرارية وألواحاً شمسية.

كما نقل قصة مشاعر إحدى المتعافيات من سرطان الثدي التي لم تتمالك دموعها وهي تروي كيف ساعدتها الشركة في إدارة تكاليف فواتيرها.

بعد ذلك توالى ظهور مديري فروع المجموعة في الدول المختلفة لتقديم مستجدات أعمالهم، في أجواء تخللتها مقاطع فيديو، ورسوم متحركة طريفة، وتدفق مستمر من تعليقات الموظفين عبر الإنترنت، إلى جانب مداخلات جاكسون المتكررة.

وهتف جاكسون متعجباً حين أفاد مدير فرع ألمانيا بأن الشركة حصدت جوائز القطاع كاملة في 36 فئة، تتعلق بخدمة العملاء والابتكار، قائلاً:

«هذا أمر لا يصدق!»، مازحاً بأن نظيره في إيطاليا سينتابه الغضب من هذا الإنجاز، كما عبر عن حماسه الشديد عندما كشف مسؤول فرع طوكيو عن وصول عدد العملاء في اليابان إلى 600 ألف عميل.

ولشدة إعجابه بالمستجدات الواردة من اليابان والصين، أعلن جاكسون تقديم رحلة مجانية إلى كلا البلدين مكافأة لموظفَيْن اثنين يستطيعان تحديد عدد الألواح الشمسية، التي تم تركيبها في الصين خلال عام 2025، وأكد لي لاحقاً أن المشاركات ستتجاوز كل التوقعات قبل إغلاق باب المسابقة يوم الثلاثاء.

وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود توفير بيئة عمل محفزة وممتعة للموظفين، بالتوازي مع ترسيخ أولويات الشركة المتمثلة في الصدارة سوقياً، وضبط الأسعار، ودعم الطاقة النظيفة، والارتقاء بخدمة العملاء.

ويتغير شكل هذه الجلسات أسبوعياً؛ إذ تعقب الجلسة العالمية جلسة مخصصة لكل دولة على حدة، ثم جلسة عالمية أخرى، يليها لقاء موجه للفرق الفرعية.

ويدير جاكسون كل هذه اللقاءات باستثناء الفعاليات الخاصة بالفرق الفرعية، ما يعني مشاركته في إدارة اللقاءات بمعدل ثلاثة أسابيع من كل أربعة، ورغم إقراره بأن هذا النهج يستنزف وقتاً طويلاً، إلا أنه يراه جوهرياً «لضمان بقاء مؤسسة عالمية، تركز على الأهداف ذاتها، وتعي تماماً ما تسعى لتحقيقه».

إن العديد من المؤسسات بحاجة ماسة لإقرار هذا أسلوب من التواصل، فالكثير من القيادات التنفيذية تترك مهمة التواصل للمديرين المباشرين، أو تثقل كاهل الموظفين برسائل إلكترونية طويلة ومكررة ونادراً ما تُقرأ، وتعكس قلة الاهتمام، أو يكتفون بتقديم بث مباشر لعينات نادرة من العروض التقديمية المتكلفة، التي تفتقر إلى الفائدة الحقيقية.

ومع ذلك يصعب تقليد نمط جاكسون؛ فهو يتمتع بالحس الفكاهي الذي يستطيع توظيفه بسهولة نظراً لكون «أوكتوبوس إنرجي» شركة خاصة غير مدرجة في الأسواق المالية، فضلاً عن خلفيته المهنية في قطاع التقنية، الذي يشيع فيه تنظيم اللقاءات العامة الافتراضية ذات الطابع التفاعلي.

في المقابل يغدو الأمر أكثر تعقيداً عندما تتولى إدارة شركة مدرجة في البورصة تضم أكثر من 200 ألف موظف، يتوزعون على 56 دولة، وتتجه لإلغاء بعض الوظائف ذات التكاليف العالية، كما هو الحال مع جورج الإدهدري، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش إس بي سي».

فمنذ توليه منصبه عام 2024 وضع الإدهدري التواصل الداخلي على رأس أولويات كبار مديري المجموعة، كما يباشر ذلك بنفسه.

فإلى جانب الرسائل الإلكترونية المرافقة لإعلان النتائج المالية الربع سنوية يحرص على المشاركة في اللقاءات العامة الإقليمية، وحلقات النقاش مع كبار التنفيذيين، فضلاً عن إجرائه حوارات افتراضية مع ضيوف خارجيين، مثل ديميس هاسابيس، المدير التنفيذي لشركة «ديب مايند».

على النحو ذاته يتبع مات بريتين، المدير العام الجديد لـ«بي بي سي»، نهجاً مشابهاً؛ إذ يشارك في جلسات الأسئلة والأجوبة الافتراضية الموجهة لكوادر الهيئة البالغ عددهم أكثر من 20 ألف موظف، والتي يقدمها إعلاميون من أبناء المؤسسة مثل أدام فليمنغ.

أما في شركة «مكينزي» فيحرص الشريك المدير العالمي، بوب ستيرنفيلس، على كتابة مدونة منتظمة، يتناول فيها مختلف الموضوعات، بدءاً من القوى المؤثرة على العملاء ووصولاً إلى مشاهداته خلال سفرياته.

كما يصيغ رسائل أقل دورية لكنها أكثر عمقاً وحجماً حول القضايا التأثيرية على الشركة، أو الأفكار التي يرغب في إيصالها للجميع.

كما أعرف رؤساء تنفيذيين آخرين يعتمدون على إرسال مقاطع فيديو، أو يكتبون رسائل إلكترونية ودية، يتحدثون فيها عن عطلاتهم العائلية، أو ينظمون جلسات حوارية مفتوحة لإجابة كل الأسئلة عبر تطبيق «سلاك».

وفي المحصلة، فإن الفحوى الأساسية تكمن في استيعاب القيادة لأولوياتها، ونقلها إلى فريق العمل بأقصى قدر من الاهتمام والانتظام والابتعاد عن الرتابة، ومن يمتلك القدرة على تحقيق ذلك مع رسم البسمة على وجوه موظفيه فقد قطع شوطاً كبيراً نحو النجاح، بينما يمكن للبقية تحقيق استفادة كبرى بمجرد المحاولة.