جيميما كيلي
لم تكن دعوة الفرق الموسيقية الكبرى، مثل «كولدبلاي»، لاستخدام الهواتف الذكية خلال العروض الحية أمراً بعيد العهد.
فقد حث المغني الرئيسي للفرقة، كريس مارتن، الحشود على تشكيل «بحر من الضوء» بواسطة هواتفهم، خلال أداء أغنية «ييلو» (Yellow)، بل إن أحد أفراد الطاقم الفني كتب بحماسة على مدونة الفرقة، خلال جولة عام 2008: «انسوا ولاعات السجائر التقليدية، الهواتف المحمولة هي عصا التوهج الجديدة!».
ربما كان ذلك جذاباً آنذاك إذا نظرنا إليه بشيء من التساهل، لكنه اليوم يبدو محبطاً نوعاً ما، بل هو أمر عفا عليه الزمن، بل إن الفرقة أصبحت توزع اليوم أساور إلكترونية مضيئة «LED» على الجمهور لتشكيل «بحر الضوء» من دون الحاجة لاستخدام الهواتف، كما يطلب مارتن بانتظام من الحضور إغلاق هواتفهم تماماً ودسها في جيوبهم خلال أداء أغنية واحدة في كل عرض.
وهناك آخرون ذهبوا أبعد من ذلك في تبني الفكرة الغريبة القائلة: «إن حضور الحفلات الموسيقية يجب أن يتمحور حول تجربة إنسانية مشتركة، لا حول جمع المحتوى الرقمي.
فقد فرضت المغنية فيبي بريدجرز، التي تبلغ من العمر 32 عاماً وتغني موسيقى الـ«إندي فولك»، ولديها قاعدة جماهيرية، تمتد من المراهقين الشباب إلى كبار السن من جيل «طفرة المواليد»، حظراً شاملاً على استخدام الهواتف الذكية في جولتها الغنائية الحالية.
وتلزم الجمهور بوضع هواتفهم في أكياس مخصصة، تغلق مغناطيسياً طوال فترة العرض، كما تشمل قائمة الحظر الساعات الذكية، وسماعات «إيربودز»، ونظارات «ميتا» الذكية.
وبريدجرز ليست وحدها، فقد أقدم فنانون آخرون مثل هاري ستايلز، وبوب ديلان على فرض حظر مشابه مؤخراً، في وقت تشهد فيه الفعاليات الخالية من التقنية إقبالاً جماهيرياً متزايداً».
قد تظن أن كبار السن الجامدين أو العاجزين عن التعامل مع التكنولوجيا هم من يقودون هذا الاتجاه، غير أن الواقع عكس ذلك تماماً، فقد أظهرت دراسة، أجراها موقع «إيفينتبرايت» لحجز الحفلات والفعاليات، تسجيل زيادة بنسبة 567 % في عدد الفعاليات الموصوفة صراحة بأنها «خالية من الهواتف» بين عامي 2024 و2025.
وأفاد الاستطلاع بأن 49 % من المشاركين ينتمون إلى أبناء «جيل الزد» و«جيل الألفية»، والذين أبدوا رغبتهم في أن تكون التجارب الحية «أقل ترتيباً وتصنعاً وأكثر واقعية».
ومع ذلك إذا نظرت إلى الصور أو مقاطع الفيديو الملتقطة في الفعاليات الحية، التي لم يُحظر فيها استخدام الهواتف الذكية، فستجد صعوبة في رصد تلك النسبة البالغة 49 في المائة، ففي المساحات التي كانت تعج سابقاً بحلقات الرقص والتفاعل الحي ترى اليوم تشابكاً من الأذرع الشابة الممتدة إلى الأعلى بالهواتف، التي باتت تبدو وكأنها أطراف.
إضافية، ويبدو أن أولئك الذين يطمحون إلى الاستمتاع بتجارب «أكثر واقعية» يشعرون بالرغبة نفسها في توثيق اللحظة التي يعيشونها افتراضياً.
وذلك ليتمكنوا، بعد انتهاء الحدث، من اطلاع الآخرين على مدى روعة الوقت الذي كانوا يصورونه.. عفواً، أقصد الوقت الذي كانوا يقضونه.
ويبدو أن هناك مفارقة مثيرة للاهتمام بدأت تلوح في الأفق. الشباب هم الأكثر استخداماً للتكنولوجيا الناشئة، لكنهم في الوقت نفسه الأكثر تشاؤماً تجاهها.
فقد كشف استطلاع حديث، أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وشمل أكثر من 5000 أمريكي، أنه رغم كون الفئة العمرية بين 18 و29 عاماً هي الأكثر استخداماً لبرامج المحادثة الآلية إلا أنها الفئة الأكثر تشاؤماً بشأن الذكاء الاصطناعي؛ إذ يرى 48 % منهم أن تأثير الذكاء الاصطناعي خلال العقدين المقبلين سيكون سلبياً على المجتمع، مقابل 14 % فقط توقعوا أن يكون إيجابياً (مقارنة بـ 40 % و16 % على التوالي لدى مجموع البالغين).
وفي استطلاع آخر أجرته مؤسسة «يوجوف» (YouGov) تبين أن البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وهي الفئة الأكثر استخداماً للهواتف الذكية، هم الأكثر إقرارا بإفراطهم في استخدام الهواتف، والأكثر سعياً لاتخاذ خطوات فعلية للحد من ذلك.
لم تكن الأمور على هذا النحو من قبل إلا أن المعدل الذي يتراجع به شغف الشباب بالتكنولوجيا يبدو لافتاً، فقد أظهر استطلاع، أجرته مؤسسة «إيبسوس» (Ipsos) ارتفاعاً كبيراً، على مدار العقد الماضي، في نسبة الأشخاص من مختلف الأعمار الذين يتفقون مع الطرح القائل:
إن «التقدم التكنولوجي يدمر حياتنا»، إلا أن هذه الزيادة كانت أوضح في المملكة المتحدة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، إذ لم تتجاوز نسبة الموافقين على هذه العبارة 26 % في عام 2013، لتصل بحلول عام 2026 إلى 62 %.
وبلغ الإجهاد التقني لدى الشباب مستويات جعلت العديد منهم يتمنون لو ولدوا في حقبة زمنية مختلفة تماماً؛ إذ أظهر استطلاع موسع نشرته شبكة «إن بي سي» (NBC) أن 47 % من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يفضلون العودة للعيش في الماضي إذا أتيحت لهم الفرصة، في حين أبدى 38 % فقط رغبتهم في العيش في الحاضر، واختار 15 % فقط العيش في المستقبل.
فهل شعرت أي أجيال سابقة من الشباب بهذا الشعور من قبل؟ لا تتوفر لدينا بيانات مقارنة، غير أن انتشار حالة النفور من الحداثة بهذه الصورة يبدو أمراً غير مسبوق، وصحيح أن شباب الستينيات والسبعينيات ربما تمنوا زوال القنبلة النبوية، إلا أن ذلك لم يدفعهم إلى تمني الولادة في العصور الماضية.
لقد كنت أعد العيش في عصرنا الحالي أمراً مفروغاً منه باعتباره الخيار الأفضل للإنسانية، وأنه سيبقى كذلك ما دمنا نعيش في سلم نسبى، غير أن تغير هذا الواقع يبعث بالتأكيد على القلق، تماماً .
كما يبعث على القلق وقوع هذا العدد الكبير منا تحت سطوة تكنولوجيا نضيق بها ذرعاً، لكن ما يخفف من حدة هذا الشعور هو الرغبة المتزايدة في فرض القيود، والحد منها؛ فكما كتبت سابقاً: «إذا كانت الحرية عبئاً نسعى للتحرر منه فإنه لا يمكن عدّها حرية على الإطلاق».