وكانت تلك الحسابات غير مريحة تحديداً لأنصار المدرسة النقدية، غير أن الأفكار التي وردت في ذلك المقال أصبحت لاحقاً الركيزة الأساسية لفهم واحدة من أهم المقاربات في الاقتصاد السياسي، وهي المفاضلة بين «هيمنة السياسة النقدية» و«هيمنة السياسة المالية».
وعندما يتوقف الجمهور عن الشراء، ترتفع الفائدة على السندات الحكومية، وتضطر الحكومة لوقف الاقتراض. وهذا الوضع يطلق يد البنك المركزي في إدارة التضخم عبر شراء الديون الحكومية وبيعها.
فإما أن يتدخل بشراء السندات لخفض تكلفة الفائدة على الحكومات مع تحمل مخاطر التضخم، كما فعل الاحتياطي الفيدرالي خلال الحرب العالمية الثانية.
وإما أن يترك السياسيين في مواجهة قوى السوق، ما يهدد بانهيار قيمة المحفظة الاستثمارية للبنك المركزي نفسه، فضلاً عن اندلاع التضخم.
فإذا كان الطلب على الديون السيادية لا ينقطع، فإن القيود المقيدة للحكومة تسقط، وتستطيع الاستمرار في الاقتراض والإنفاق دون حدود مع بقاء تكلفة دينها منخفضة، بينما يحتفظ البنك المركزي بحريته في إدارة التضخم.
لكن هذا الأمر فتح الباب أمام نقاش جديد: هل سندات الخزانة الأمريكية هي أوراق دين أم نقد؟ وهل تبيع الخزانة سنداتها للمستثمرين كأوراق مالية، أم أنها تصدرها للأسواق كما تصدر النقود؟
بل إن متعاملي الأسواق درجوا على تسميتها بـ«السيولة النقدية»، وهي كلمة اتسمت بالمرونة في تاريخ المال لتطلق على كل ما يعتاده الناس أنه نقد في أي عصر.
وقضت البنوك التجارية والاحتياطي الفيدرالي سنوات في مفاوضات حول ما إذا كانت أدوات الخزانة تتمتع بالوضع الآمن نفسه للعملة الأساسية، أي الاحتياطيات النقدية لدى الفيدرالي.
وفي السابق، كانت الفوارق أكثر وضوحاً؛ ففي القرن الثامن عشر، كانت المجالس التشريعية في المستعمرات الأمريكية تقترض مباشرة من سكانها، وتسدد ديونها عبر إصدار سندات صغرى القيمة وقابلة للتداول، أي عملة ورقية. ولكن مع إقرار الدستور الأمريكي، تم حظر هذه الممارسة.
وعقب ذلك، قام ألكسندر هاملتون بإنشاء سوق منتظمة للديون الاتحادية تتسم بالسيولة على غرار النموذج البريطاني؛ حيث أصبحت الدولة الأمريكية الشابة تبيع ديونها للمستثمرين مقابل العملات الورقية والفضة، ولا تطرحها للجمهور كعملة متداولة.
وقد قام النظام الهاميلتوني على فرضية جوهرية مفادها أن ديون واشنطن هي سندات استثمارية، وليست نقوداً.
ومع كل أزمة مالية تضرب البلاد وصولاً إلى الكساد الكبير، كانت المدن تلجأ لتسديد التزاماتها عبر إصدار «نقود الأزمات»، وهي عملات محلية تشبه إلى حد كبير أذون المستعمرات القديمة.
ويبدو أن هذا السيناريو يعيد نفسه اليوم؛ ففي وقت كتابة هذه السطور، يبلغ العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 5.25%.
وليس من الطبيعي الإشارة إلى توقيت الكتابة عند الحديث عن السندات العشرية، ما لم تكن سندات الخزانة قد فقدت طابعها الاستثنائي الخاص.
وهناك تفسيرات عدة لارتفاع عوائد سندات الخزانة؛ فالعوائد على الديون الحكومية تشهد ارتفاعاً في جميع أنحاء العالم، ولا تلوح في الأفق أي خطط واضحة لدى الولايات المتحدة لتقليص العجز المالي.
كما أن الحرب تسببت في رفع أسعار الوقود وتغذية التضخم، فضلاً عن المنافسة المحمومة على السيولة المتاحة لتمويل مراكز البيانات. ورغم واقعية كل هذه العوامل، إلا أنها لا توفر تفسيراً كاملاً لحدة الارتفاع الحالي في عوائد السندات الأمريكية.
ففي ظل هيمنة السياسة المالية، سيجد التضخم طريقه إلى الاقتصاد لا محالة، ولن تتبقى أمام البنك المركزي أي خيارات مريحة. سندات الخزانة الأمريكية عادت لتكون مجرد سندات دين عادية، والمنفذ الاستثنائي يغلق أبوابه.