بريندان غريلي

في عام 1981، نشر الاقتصاديان توم سارجنت ونيل والاس مقالاً موجزاً في دورية بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس تحت عنوان «بعض الحسابات النقدية غير المريحة».

وكانت تلك الحسابات غير مريحة تحديداً لأنصار المدرسة النقدية، غير أن الأفكار التي وردت في ذلك المقال أصبحت لاحقاً الركيزة الأساسية لفهم واحدة من أهم المقاربات في الاقتصاد السياسي، وهي المفاضلة بين «هيمنة السياسة النقدية» و«هيمنة السياسة المالية».

في هيمنة السياسة النقدية، تقف الحكومة أمام قيود صارمة عند الإنفاق. إذ لا يمكنها إصدار أدوات دين تتجاوز حجم الطلب الحقيقي في السوق.

وعندما يتوقف الجمهور عن الشراء، ترتفع الفائدة على السندات الحكومية، وتضطر الحكومة لوقف الاقتراض. وهذا الوضع يطلق يد البنك المركزي في إدارة التضخم عبر شراء الديون الحكومية وبيعها.

أما في ظل هيمنة السياسة المالية، فإن الحكومة تقترض وتنفق وفق ما تراه من دون قيود، تاركة البنك المركزي أمام خيار غير مريح.

فإما أن يتدخل بشراء السندات لخفض تكلفة الفائدة على الحكومات مع تحمل مخاطر التضخم، كما فعل الاحتياطي الفيدرالي خلال الحرب العالمية الثانية.

وإما أن يترك السياسيين في مواجهة قوى السوق، ما يهدد بانهيار قيمة المحفظة الاستثمارية للبنك المركزي نفسه، فضلاً عن اندلاع التضخم.

ويمثل هذا الإطار نموذجاً تحليلياً مفيداً. لكن كما ألمح سارجنت ووالاس في مقالهما عام 1981، فهناك منفذ استثنائي يمكن للحكومات النفاذ منه.

فإذا كان الطلب على الديون السيادية لا ينقطع، فإن القيود المقيدة للحكومة تسقط، وتستطيع الاستمرار في الاقتراض والإنفاق دون حدود مع بقاء تكلفة دينها منخفضة، بينما يحتفظ البنك المركزي بحريته في إدارة التضخم.

ومنذ صدور ذلك المقال تقريباً، ظلت الولايات المتحدة تستفيد من هذا المخرج تحديداً؛ إذ جمعت واشنطن بين هيمنة السياسة المالية وغياب القيود المتعلقة بتكلفة الدين. وهو وضع اتسم بالاستقرار لدرجة جعلت الكثيرين يتعاملون معه وكأنه قانون طبيعي ثابت.

لكن هذا الأمر فتح الباب أمام نقاش جديد: هل سندات الخزانة الأمريكية هي أوراق دين أم نقد؟ وهل تبيع الخزانة سنداتها للمستثمرين كأوراق مالية، أم أنها تصدرها للأسواق كما تصدر النقود؟

لقد امتلكت سندات الخزانة الأمريكية لعقود طويلة ما يسميه الاقتصاديون «صفة النقد»؛ فقد كانت تتمتع بسيولة عالية تشبه سيولة النقد، وتتسم بخلوها من المخاطر بدرجة أصبحت حقيقة واقعة مدعومة بالبيانات.

بل إن متعاملي الأسواق درجوا على تسميتها بـ«السيولة النقدية»، وهي كلمة اتسمت بالمرونة في تاريخ المال لتطلق على كل ما يعتاده الناس أنه نقد في أي عصر.

وقضت البنوك التجارية والاحتياطي الفيدرالي سنوات في مفاوضات حول ما إذا كانت أدوات الخزانة تتمتع بالوضع الآمن نفسه للعملة الأساسية، أي الاحتياطيات النقدية لدى الفيدرالي.

وكان من الصعب تحديد حدود الطلب العالمي على الأصول المقومة بالدولار والتي تمتاز بتلك الصفة النقدية، ما منح الاقتصاديين والسياسيين رفاهية التعامل مع سندات الخزانة باعتبارها أوراقاً مالية وعملة نقدية في الوقت نفسه، في ظاهرة استثنائية فريدة لها قواعدها الخاصة.

وفي السابق، كانت الفوارق أكثر وضوحاً؛ ففي القرن الثامن عشر، كانت المجالس التشريعية في المستعمرات الأمريكية تقترض مباشرة من سكانها، وتسدد ديونها عبر إصدار سندات صغرى القيمة وقابلة للتداول، أي عملة ورقية. ولكن مع إقرار الدستور الأمريكي، تم حظر هذه الممارسة.

وعقب ذلك، قام ألكسندر هاملتون بإنشاء سوق منتظمة للديون الاتحادية تتسم بالسيولة على غرار النموذج البريطاني؛ حيث أصبحت الدولة الأمريكية الشابة تبيع ديونها للمستثمرين مقابل العملات الورقية والفضة، ولا تطرحها للجمهور كعملة متداولة.

وقد قام النظام الهاميلتوني على فرضية جوهرية مفادها أن ديون واشنطن هي سندات استثمارية، وليست نقوداً.

رغم ذلك، استمر مفهوم التعامل مع الديون الحكومية كنقد متداول؛ فخلال الحرب الأهلية الأمريكية، عادت الولايات الكونفيدرالية إلى إصدار عملاتها الخاصة، بينما بدأت حكومة الاتحاد في تسديد التزاماتها باستخدام الأوراق النقدية الخضراء، والتي كانت مجرد تعهدات ضبابية بإعادة شرائها لاحقاً بالذهب.

ومع كل أزمة مالية تضرب البلاد وصولاً إلى الكساد الكبير، كانت المدن تلجأ لتسديد التزاماتها عبر إصدار «نقود الأزمات»، وهي عملات محلية تشبه إلى حد كبير أذون المستعمرات القديمة.

لكن عقب كل أزمة، كان النظام هاميلتون يعود ليفرض نفسه من جديد، السندات هي أوراق مالية تباع للمستثمرين مقابل السيولة المتاحة من الورق النقدي والودائع المصرفية.

ويبدو أن هذا السيناريو يعيد نفسه اليوم؛ ففي وقت كتابة هذه السطور، يبلغ العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 5.25%.

وليس من الطبيعي الإشارة إلى توقيت الكتابة عند الحديث عن السندات العشرية، ما لم تكن سندات الخزانة قد فقدت طابعها الاستثنائي الخاص.

وهناك تفسيرات عدة لارتفاع عوائد سندات الخزانة؛ فالعوائد على الديون الحكومية تشهد ارتفاعاً في جميع أنحاء العالم، ولا تلوح في الأفق أي خطط واضحة لدى الولايات المتحدة لتقليص العجز المالي.

كما أن الحرب تسببت في رفع أسعار الوقود وتغذية التضخم، فضلاً عن المنافسة المحمومة على السيولة المتاحة لتمويل مراكز البيانات. ورغم واقعية كل هذه العوامل، إلا أنها لا توفر تفسيراً كاملاً لحدة الارتفاع الحالي في عوائد السندات الأمريكية.

إن ما جعل سندات الخزانة شبيهة بالنقد عبر التاريخ هو تحرك عوائدها ببطء واستقرار قيمتها. واليوم، يبدو أن تضافر هذه المشكلات المتراكمة على مدار عقود بدأ ينزع تلك الصفة النقدية ويجرد ديون الولايات المتحدة من سيولتها الاستثنائية. لقد كانت رؤية سارجنت ووالاس صحيحة دائماً:

ففي ظل هيمنة السياسة المالية، سيجد التضخم طريقه إلى الاقتصاد لا محالة، ولن تتبقى أمام البنك المركزي أي خيارات مريحة. سندات الخزانة الأمريكية عادت لتكون مجرد سندات دين عادية، والمنفذ الاستثنائي يغلق أبوابه.