مارك روبنشتاين

يمكنك تداول شتى أنواع السلع في بورصة شيكاغو التجارية: فول صويا، معادن نفيسة، لحوم الماشية، نفط الخام، وأسعار الفائدة، وهي جميعها سلع أساسية تشكل ركيزة الاقتصاد العالمي.

وتعتزم «مجموعة بورصة شيكاغو التجارية» اليوم إضافة سلعة جديدة إلى القائمة: «قدرة الحوسبة» أو القوة المحوسبة، والتي أطلقت عليها اسم «العملة الجديدة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي». وقال بيت كيفي، المسؤول التنفيذي في مجموعة بورصة شيكاغو التجارية عند الإعلان عن المنتج في أغسطس:

«مثلما غذى النفط الاقتصاد في القرن العشرين وانتقل من التداول الفوري إلى سوق المشتقات العالمية، ستحول عقودنا الآجلة قدرات الحوسبة إلى سلعة قياسية قابلة للتداول».

ويشاركه هذا التفاؤل قطاع واسع في وول ستريت، إذ قال لاري فينك، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، في مايو الماضي: «إن شراء العقود الآجلة لقدرة الحوسبة سيشكل فئة أصول جديدة في الأسواق».

من الناحية التجارية، يبدو منطقياً للبورصات إضافة منتجات جديدة، وتعد قدرة الحوسبة سوقاً ضخمة واعدة؛ إذ تشير تقديرات «بوسطن كونستالتيج جروب» إلى أن سوق القدرة الحسابية للذكاء الاصطناعي سترتفع من 360 مليار دولار في عام 2025 إلى نحو 2.3 تريليون دولار بحلول عام 2030.

وإذا تمكنت بورصة شيكاغو من استقطاب حصة بسيطة من هذه التدفقات المالية، فستضيف لمواردها تدفق أرباح مجزياً.

غير أن ضخامة حجم السوق لا تعني بالضرورة جاهزيتها للتداول؛ إذ تظهر الدراسات التاريخية حول نشأة أسواق العقود الآجلة أن ما بين ثلثي وثلاثة أرباع العقود الجديدة تفشل في جذب أحجام تداول مربحة والمحافظة عليها.

ولتزدهر مشتقات القدرة الحسابية بالطريقة نفسها التي نمت بها مشتقات النفط، يتعين عليها استيفاء شروط أساسية عدة.

الأول: أن تكون الأسعار الأساسية متقلبة بدرجة كافية تجعل التحوط أمراً مجدياً. ورغم أن المضاربين يمدون سوق العقود الآجلة بالسيولة، إلا أن المتحوطين من الشركات والمؤسسات التجارية هم من يمنحونها قيمتها الاقتصادية الحقيقية.

وفي هذا الاختبار، تبدو فرضية قدرة الحوسبة قوية للغاية؛ إذ يؤدي طول المدة الزمنية اللازمة لإضافة طاقات استيعابية جديدة إلى تقلبات حادة في الأسعار.

ويوضح مشروع مراكز البيانات «جوبيتر» التابع لشركة «أوراكل» هذه المسألة بوضوح؛ إذ كان من المقرر تشغيل المرفق في عام 2028، لكنه واجه عقبات متعددة، شملت تأخيرات في خط أنابيب الغاز الطبيعي المزمع إنشاؤه، وطعوناً قانونية بشأن تصاريح المياه وجودة الهواء.

وعلى نحو أوسع، عندما بلغت أزمة اختناق سلاسل توريد الرقائق أوجها في بداية عام 2024، قفزت أسعار التأجير بالساعة لرقاقة «H100» من شركة «إنفيديا» إلى 8 دولارات، قبل أن تهوي إلى أقل من دولارين في أواخر عام 2025. وهذا المستوى من التقلب يمثل مخاطرة يسعى المشاركون في السوق للتحوط منها.

الثاني: اتفاق المشاركين على عقد معياري موحد. فعندما أدرجت العقود الآجلة للنفط في عام 1983، صممت لتكون مرتبطة بخام غرب تكساس الوسيط، مع اختيار مدينة «كوشينغ» في ولاية أوكلاهوما كنقطة للتسليم الفعلي.

ورغم أن خام «غرب تكساس الوسيط» لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الإنتاج العالمي للنفط الخام، إلا أنه يمثل معياراً تسعيرياً لبقية الأسواق. في المقابل، واجه الرواد الذين حاولوا تداول سعة نطاق الاتصال بشبكة الإنترنت، الـ «باندويدث»، في عام 1999 صعوبة بالغة في التوصل إلى معيار موحد.

إذ تباينت مستويات الموثوقية والجودة والخدمات بشكل واسع، وانهارت محاولات تنظيم تلك السوق مع انهيار شركة «إنرون» الداعمة لها.

وبالتعاون مع موفر المؤشرات «سيليكون داتا»، اختارت «مجموعة بورصة شيكاغو التجارية» رقائق «H100» و«B200» من «إنفيديا» لتكون مرجعاً لعقودها.

ووفقاً لبيانات «سيليكون داتا»، تبلغ تكلفة تأجير السعة الحسابية لرقاقة «B200» نحو 5.86 دولارات في الساعة، مقابل 2.77 دولار لرقاقة «H100» الأقدم. وتخطط البورصة لإدراج عقود تعكس القيمة المستقبلية لأسعار التأجير هذه لمدد تصل إلى 36 شهراً.

ومع ذلك، فإن وحدة «ساعة المعالجة للرسومات» (GPU-hour) ليست معيارية بالكامل؛ إذ يتفاوت الأداء بناءً على تركيبة التجميعة الحسابية، وشبكات الاتصال، والبرمجيات المستخدمة، والموقع الجغرافي.

كما أن التقادم السريع للرقائق يفتت السوق بدرجة أكبر؛ فساعة التشغيل لرقاقة «H100» ليست بديلة لساعة التشغيل لرقاقة «B200»، ما أجبر بورصة شيكاغو على إدراج عقود منفصلة لكل منهما.

ولا يوجد حتى الآن إجماع على طريقة احتساب أسعار التأجير نفسها؛ إذ يمتلك مزود المؤشرات «أورن» (Ornn) معياراً خاصاً به لا يتوافق دائماً مع مؤشرات «سيليكون داتا». وإلى أن يتشكل معيار موحد، قد يكون نمو سوق المشتقات بطيئاً.

النقطة الأخيرة، هي أن نجاح سوق المشتقات يتطلب وجود قاعدة متنوعة من المشترين والبائعين. وكان التداول على العقود الآجلة للبصل قد حظر صراحة في الولايات المتحدة عام 1958 بعد أن احتكر اثنين من المتداولين السوق. ورغم استبعاد احتكار قدرة الحوسبة بالطريقة نفسها، إلا أنها سوق مركزة للغاية بالفعل.

إذ تسيطر شركة «إنفيديا» على توريد الرقائق، وتحتكر شركات التكنولوجيا العملاقة معظم السعات المتاحة، بينما تستحوذ مجموعة محددة من مختبرات الذكاء الاصطناعي على جانب الطلب.

وستحظى العقود الآجلة لقدرة الحوسبة في بورصة شيكاغو باهتمام واسع عند إدراجها؛ إذ يؤثر سعر قدرة الحوسبة بشكل متزايد في الجدوى الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، وقيمة بنيته التحتية، وطفرة الاستثمارات الضخمة المحيطة به. ويمنح هذا المستثمرين سبباً منطقياً للمطالبة بوجود مؤشر مرجعي قياسي.

وقد يتذكر المتشائمون في الأسواق مؤشر «ABX» للرهون العقارية عالية المخاطر، والذي سلط الضوء حينها على جانب غامض من تمويل الرهن العقاري، وتحول لاحقاً إلى نقطة الارتكاز التي انطلقت منها أزمة الانهيار المالي.

وسواء أكانت هذه العقود الآجلة ستمثل إقراراً باستدامة هذه الطفرة الاستثمارية أم أداة لتفجير فقاعتها، فإن أهميتها الحقيقية قد تكمن في كونها مؤشراً كاشفاً للاتجاه أكثر من كونها مجرد سوق للتداول.