فيليب أوجار

هل البنوك «أكبر من أن تفرض عليها ضرائب»، تماماً كما توصف بأنها «أكبر من أن تنهار»؟، هذا هو السؤال المطروح في ظل الضغوط المكثفة التي تمارسها هذه الصناعة على الحكومة، سعياً لتجنب أي زيادة في الضرائب المصرفية.

تتلخص الحجة التي يطرحها القطاع المصرفي لاستباق أي خطوة من هذا النوع في الميزانية الأولى للوزير جون هيلي، المقرر إعلانها في 28 أكتوبر، في أن القطاع يخضع بالفعل لضرائب باهظة، مقارنة ببقية القطاع المؤسسي داخل المملكة المتحدة، والمنافسين في المراكز المالية العالمية.

إذ لا تزال الضريبة الاستثنائية على الأرباح المصرفية، التي فرضت بعد الأزمة المالية العالمية، ورسوم الميزانية العمومية سارية المفعول، وإن كان تم تخفيضهما.

وتشير تقديرات جماعات الضغط المصرفية، إلى أن البنوك البريطانية تدفع ما مجموعه 47% كضرائب، مقارنة بـ 28 % في الولايات المتحدة، وأقل من 40 % لدى بعض المنافسين في الاتحاد الأوروبي.

ويحذر هذا الطرح من أن فرض المزيد من الضرائب سيؤدي إلى انتقال الأعمال والأنشطة إلى مراكز مالية عالمية أخرى.

وفي خطوة تبدو كحملة منسقة بين كبار مسؤولي البنوك العالمية، حذر «جيمي ديمون» الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورجان»، من «عواقب وخيمة» قد تترتب على أي زيادات ضريبية إضافية.

وكان «ديمون»، الذي يخطط بنكه لإنشاء مقر رئيس جديد بتكلفة 3 مليارات إسترليني في منطقة «كاناري وارف»، قد التقى برئيس الوزراء «آندي بورنهام» خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى لندن، وبدا التهديد واضحاً تماماً.

غير أن البنوك البريطانية المحلية هي الأكثر تأثراً بالقرار، والأعلى صوتاً في المعارضة. وتدعي هذه البنوك أن زيادة الضرائب سيقلص قدرتها على تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وسيتم تحميل تكلفة هذه الضرائب للعملاء، ما يضر بمساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي البريطاني.

وفي هذا السياق، دعت «مؤسسة مدينة لندن»، السلطة المحلية للمركز المالي المعروف بـ «سكوير مايل»، وزير المالية إلى «عدم الإضرار» بقطاع الخدمات المالية.

وأوضحت المؤسسة موقفها بصراحة قائلة: «هذا يعني عدم فرض المزيد من الضرائب الخاصة بقطاع بعينه». إن اتخاذ قرار بشأن هذه النصيحة، يتطلب حكماً دقيقاً من الوزير جون هيلي، الذي يواجه تحدياً لسد العجز في الميزانية، مع تحقيق خطة النمو الاقتصادي. فهل تؤدي زيادة الضرائب على البنوك بالفعل إلى تقليص قدرتها على الإقراض؟ وهل ترتفع تكلفة القروض حقاً؟ أم أن هناك طرقاً أخرى يمكن للبنوك من خلالها استيعاب هذه الزيادة؟

وهل ستؤدي زيادة الضرائب المصرفية حقاً إلى هروب الأعمال خارج العاصمة البريطانية لندن؟ قد لا يتعدى الأمر مجرد التلويح بأسلوب ستيوارت غوليفير الرئيس التنفيذي السابق لبنك «إتش إس بي سي»، الذي صرح سابقاً بأن بنكه قد يدرس نقل مقره الرئيس خارج لندن إذا تم فصل أنشطة التجزئة المصرفية عن الاستثمار. ورغم تطبيق قرار الفصل التنظيمي، إلا أن البنك بقي في لندن.

وما يضعف حجة موقف القطاع المصرفي أرباحه الاستثنائية التي يحققها منذ بدء دورة رفع أسعار الفائدة في عام 2022، إذ أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى تحسين صافي هامش الفائدة للبنوك، وهو الفارق بين ما تدفعه للمودعين، وما تتقاضاه من المقترضين.

وقد انعكست هذه الفوائد مباشرة على وحدات التجزئة المصرفية التابعة لها في المملكة المتحدة، حيث سجل بنكا «باركليز» و«نات ويست» عوائد مرتفعة على حقوق الملكية، تجاوزت 20 % في العام الماضي.

وإضافة إلى بنك «لويز»، أعادت هذه البنوك الثلاثة نحو 12 مليار جنيه إسترليني للمساهمين عبر توزيعات الأرباح، وبرامج إعادة شراء الأسهم من أرباح عام 2025.

بالتالي، فإن خفض العوائد الموزعة على المساهمين يمنح البنوك القدرة على استيعاب زيادات معتدلة في الضرائب، مع الاستمرار في تقديم التمويل.

ورغم أن أسهم البنوك قد تفقد جزءاً من مكاسبها الأخيرة، حيث ارتفع مؤشر «فوتسي 350 للبنوك» بنسبة 30 % على أساس سنوي، ما قد يرفع تكلفة رأس المال. غير أن القطاع يقوم حالياً بتوزيع رأس المال بدلاً من زيادة رأس المال، ما يجعل هذه التكلفة مجرد تكلفة نظرية.

والسياق مهم هنا، فقد تلقت البنوك عملية إنقاذ ضخمة ممولة من أموال المكلفين بالضرائب خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، بناءً على الحجة القائلة بأن انهيار البنوك سيكون كارثياً على الاقتصاد ككل.

بالتالي، فإن الادعاء بأن فرض المزيد من الضرائب سيضر بالتعافي من أزمة كانت البنوك ذاتها هي المتسببة فيها، يبدو معادلة غير عادلة، تضمن للقطاع الأرباح، وتلقي بالخسائر على الميزانية العامة، خاصة أن إجراءات التدخل المالي عقب الأزمة، تكلف الخزانة البريطانية مبالغ طائلة حالياً.

إذ يدفع بنك إنجلترا المركزي ما يعرف بسعر الفائدة الرئيس للبنوك التجارية على احتياطياتها المودعة لديه.

وأصبح هذا السعر حالياً أعلى من العائد الذي يحصل عليه البنك المركزي من «تسهيلات شراء الأصول»، أي السندات الحكومية التي اشتراها من المؤسسات المالية خلال مرحلة التيسير الكمي.

وتغطي الخزانة العامة هذه «تكلفة التمويل المصاحبة» لتسهيلات شراء الأصول عبر تحويلات نقدية ربع سنوية إلى بنك إنجلترا. ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية أن تكون قد بلغت 11 مليار إسترليني في السنة المالية 2025 - 2026، وأن تتراوح بين 5 و6 مليارات جنيه إسترليني سنوياً خلال السنوات القليلة المقبلة، ما يلتهم الأرباح السابقة للبنك المركزي.

وتشكل هذه المبالغ عبئاً مباشراً على عجز الميزانية العامة الحالية، وتعد في جوهرها دعماً غير مستحق للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

ومن ثم، فليس من المستغرب أن يتجه وزير المالية إلى استرداد جزء من هذه الأموال، إما عن طريق الضرائب المباشرة على البنوك، أو عبر خفض أسعار الفائدة المدفوعة للبنوك على جزء من احتياطياتها. وكان رئيس الوزراء أندي بيرنهام، قد صرح سابقاً بأن عبء الضرائب يجب أن يقع على الكواهل الأكثر قدرة على تحمله.

وفي ظل الازدهار الكبير الذي تتمتع به البنوك، والذي لا يعود الفضل فيه إلى جهد خاص منها، بل إلى ظروف الفائدة، فإن كواهلها هي الأقدر حقاً على تحمل هذا العبء. ولا أحد يرغب في دفع المزيد من الضرائب، سواء أكانوا أفراداً أم شركات، لكن المصلحة الوطنية تفرض ذلك حالياً.

وبعد أن استفادت البنوك من دعم المكلفين بالضرائب، يجدر بها الآن التراجع وإبداء قدر من المرونة. والكرة الآن في ملعب وزير المالية.