جيليان تيت

مع اشتداد الأزمات الاقتصادية وتصاعد ضغوط الأسعار، تطفو على السطح حالة من الهلع والمزايدات السياسية الاستعراضية. 

وفي خريف هذا العام، يراقب السيناتور تشاك جراسلي، أقدم الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي، بأسى تراجع أرقام حزبه في استطلاعات الرأي، وسط غضب شعبي عارم ناجم عن تضخم الأسعار وتداعيات التوترات في الشرق الأوسط.

ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية التشريعية، يضغط جراسلي إلى جانب قيادات أخرى في الحزب الجمهوري على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض حظر على صادرات الديزل الأمريكية، في محاولة لوقف الارتفاع القياسي في الأسعار الذي يضغط بشدة على الناخبين.

وعبر منشور أخير على منصات التواصل الاجتماعي، كتب جراسلي مستشهداً بالحظر الذي فرضه الرئيس ريتشارد نيكسون على صادرات فول الصويا عام 1973: «لماذا لا يفرض الرئيس ترامب حظراً على صادرات الديزل كما فعل الرؤساء في السبعينيات مع المنتجات الزراعية عندما ارتفعت أسعار الغذاء؟»، مضيفاً بنبرة حادة: «ارتفاع أسعار الديزل يقضي على دخل المزارعين».

وليس واضحاً بعد ما إذا كان ترامب سيتجاوب مع هذه النصيحة، وإن كان قد صرح بأنه «يدرس بجدية بالغة» فرض هذا الحظر.

في المقابل، يمارس كريس رايت، وزير الطاقة في إدارته، ضغوطاً قوية ضد هذا التوجه، وينضم إليه في ذلك كبار التنفيذيين في قطاع الطاقة الأمريكي.

وقال مصدر مقرب من المداولات: «ليس لدينا تصور واضح عما سيفعله، لأن القرار في النهاية مرهون بشخص ترامب وحده». وتلك هي الصورة التي تدار بها الأمور في واشنطن اليوم.

إلا أن المشهد ينطوي على مفارقة تاريخية مريرة؛ إذ أصبح من الطبيعي تقريباً في عهد إدارة ترامب أن يتبنى الجمهوريون قيوداً تجارية كأدوات اقتصادية قومية لاسترضاء القوى السياسية الشعبوية.

لكن بالنسبة للرئيس الجمهوري في ثمانينيات القرن الماضي، رونالد ريغان، الذي يحترمه سياسيون من طراز جراسلي، كان هذا التدخل في حركة التجارة أمراً مرفوضاً جملة وتفصيلاً. وإذا نبشنا في تاريخ حظر فول الصويا عام 1973، سنجد أنه كان بعيداً كل البعد عن النجاح.

صحيح أن حظر الصادرات الذي فرضه نيكسون أدى لفترة قصيرة إلى كبح الأسعار المحلية داخل السوق الأمريكية، وهو ما يفسر رغبة ترامب في الاستعانة بهذه التجربة في ملف الديزل، لكنه في الوقت نفسه «أثار شكوكاً عميقة حول مدى موثوقية الولايات المتحدة كمورد للسلع الأساسية»، وفق ما كتبه جوناثان كوبيس من جامعة إلينوي في ورقة بحثية عام 2019.

وحسب كوبيس، فإن الحكومة اليابانية، التي كانت تعتمد حينها على واردات فول الصويا الأمريكية، غضبت شديد الغضب، ما دفع «وكالة اليابان للتعاون الدولي» في عام 1974 إلى ضخ استثمارات واسعة النطاق لتطوير منطقة «سيرادو» في البرازيل لإنتاج فول الصويا.

وحققت تلك الخطوة نجاحاً لافتاً؛ فبحلول عام 2015، أصبحت البرازيل تصدر من فول الصويا أكثر مما تصدره الولايات المتحدة. وبحلول العام الماضي، بلغت مبيعات البرازيل نحو ضعف الصادرات الأمريكية.

وفي الآونة الأخيرة، سجلت الولايات المتحدة هدفاً آخر في مرماها؛ إذ تمثل الصين اليوم أكبر مصدر للطلب على فول الصويا في العالم، لكن الحرب التجارية التي شنها ترامب ضد بكين عرقلت المبيعات الأمريكية هناك، وأجبرت المشترين الصينيين على التحول إلى أمريكا اللاتينية.

وعندما التقى ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ هذا الشهر، تم استبعاد فول الصويا بشكل لافت من الاتفاقات التجارية المخفضة للتعريفات الجمركية والتي بلغت قيمتها 30 مليار دولار، ما أثار غضب المزارعين الأمريكيين.

وقال مستورد صيني مازحاً الأسبوع الماضي: «كان ترامب مفيداً للغاية لتجارة فول الصويا البرازيلية».

وكما كتب الخبير الاقتصادي الأمريكي المتخصص في الشأن العالمي للطاقة، فيليب فيرليغر، في منشور أخير: «ضحى ريتشارد نيكسون عام 1973 بمستقبل المزارعين الأمريكيين من أجل خفض أسعار المستهلكين لبضعة أشهر فقط». فهل يكرر حظر الديزل السيناريو نفسه؟

ينفي مسؤولون في البيت الأبيض ذلك، مؤكدين أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم هيمنة كبرى في سوق الوقود الأحفوري، وأن تغيير الموردين في حالة الديزل أمر أكثر صعوبة، كما يصرون على أن إمدادات الوقود ستعود قريباً للتدفق بحرية عبر مضيق هرمز.

قد يكون الأمر كذلك، لكن مسؤولي إدارة ترامب يبحثون مع الحلفاء احتمال فرض هذا الحظر، ويطالبون أوروبا بالسحب من احتياطياتها لخفض الأسعار.

وخلال الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، استمعت إلى مسؤولين تنفيذيين وحكوميين غير أمريكيين يستعرضون خططاً لحماية أنفسهم من أزمة الوقود الأحفوري عبر «تنويع المصادر»، أي بالتحول نحو الطاقة المتجددة.

وقد يخلق هذا التوجه نقاط ضعف جديدة؛ فالطاقة المتجددة تتسم بالتقطع، وتسيطر الصين على سلاسل توريد التكنولوجيا الخضراء.

لكن هذه المخاطر تبدو أقل قياساً بمخاطر الوقوع رهينة للتقلبات والمزاجية في السياسة التجارية الأمريكية أو للحروب في منطقة الخليج العربي.

وكما يتساءل فيرليجر: «أي دولة ستجازف بالاعتماد على الولايات المتحدة في صادرات الغاز الطبيعي الآن، إذا كانت واشنطن قد تقطعها فجأة؟».

وبكل صراحة، تتمثل إحدى نتائج التوترات في الشرق الأوسط في تسريع وتيرة التحول الأخضر، وهو التحول الذي لا يتوقف الرئيس عن مهاجمته.

وعلى البيت الأبيض أن ينتبه إلى هذه الحقيقة. فنعم، قد يحقق حظر الديزل المقترح مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنه قد يدفع شركات الطاقة الأمريكية إلى تقليص إنتاجها، ما يؤدي إلى رفع الأسعار على المدى المتوسط.

وطالما أن حظر صادرات الديزل سيجعل الولايات المتحدة تبدو شريكاً يفتقر إلى الموثوقية في نظر حلفائها، فإن التكلفة على المدى الطويل ستكون باهظة.

وما على المرء إلا النظر إلى تجربة «فول الصويا» البسيطة ليدرك ما يحدث عندما تتجاهل الحسابات السياسية قوة العواقب غير المقصودة.