ليكس

يختلف المستثمر بحسب تعامله مع الجزء المعنون بـ«عوامل المخاطرة» في وثائق الاكتتابات العاملة الأولية، فهو إما يكون حذراً وتكون القائمة أول ما يقرأه في النشرة، أو يكون غير كذلك، ويصبح هذا الجزء آخر ما يفكر في الاطلاع عليه.

أما نشرة الاكتتاب المرتقبة لشركة «أنثروبيك» فمن المؤكد أنها ستكون أكثر إثارة وجذباً للقراءة مقارنة بغيرها، بسبب تحذيرها الصريح من إمكانية أن تؤدي منتجاتها لمحو البشرية.

رغم ذلك يمكنني أن أجزم أنها ستغفل معلومات أكثر أهمية وفائدة بالنسبة لقرارات الاستثمار.

ويعد إدراج المخاطر المحتملة في وثائق الإفصاح قبل الطرح، ثم في التقارير السنوية اللاحقة، نموذجاً تقليدياً للنوايا الحسنة، التي خرجت عن مسارها الصحيح، فمنذ ستينيات القرن الماضي أصبحت هذه الإفصاحات إجبارية في الأسواق الأمريكية، لكن الإملاءات التنظيمية والمخاوف المفرطة من الدعاوى القضائية أدت لتضخم حجمها بشكل غير مسبوق.

على سبيل المثال أفردت «مايكروسوفت» عام 1986 أقل من صفحتين للمخاطر، بينما تضخم هذا القسم لدى «سبيس إكس» هذا العام ليصل إلى 38 صفحة، وكان قد امتد لدى «أوبر» عام 2018 ليملأ 50 صفحة.

ورغم أن «أنثروبيك» قد تكون أول شركة تحذر من اندثار البشرية عنصراً محتملاً في تقييم استثماري يستهدف تريليوني دولار، إلا أن التحذيرات الغريبة ليست أمراً جديداً على أسواق المال، فقد سبق وحذرت شركة «تشارلز ريفر» لفحوصات المختبرات من خطر نقل «مسببات أمراض جديدة»، كما تضطر شركات الطاقة النووية، بطبيعة الحال، إلى الإشارة مباشرة للسيناريوهات الكارثية، التي لا يخطر ببال أحد حدوثها.

وفي 2024 كذلك حذرت مجموعة «ترامب للإعلام والتكنولوجيا» التابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن أداء الشركة قد «يتضرر بشدة» إذا انتهى المطاف بمؤسسها خلف الأسوار، ولكن هل يستحق خطر إبادة البشرية جمعاء التوضيح والشرح في نشرة اكتتاب؟ منطقياً إن حدث ذلك فلن يبقى أحد ليرفع دعوى قضائية، بالتالي قد لا تكون هناك فائدة قانونية مباشرة للمستثمر، إلا أن الإشارة إلى القدرات الكارثية للذكاء الاصطناعي تظل خطوة ذات مغزى تجاري وقانوني؛ فإذا ما أقدم المشرعون على فرض قيود صارمة ومكبلة للأرباح على نموذج أعمال «أنثروبيك» بدافع هذه المخاوف الوجودية فستصبح الشركة عرضة لموجة من الدعاوى القضائية من المستثمرين، وهنا تكمن أهمية التحذير المسبق.

تبقى المسألة الجوهرية لمن يفكر في شراء أسهم «أنثروبيك» هي ما مدى قدرة الشركة على تحقيق الأرباح.

وفي هذا الصدد لن تكون نشرة الاكتتاب مفيدة إلا بدرجة محدودة للغاية في أفضل الأحوال، إذ يتوقع أن تمتنع «أنثروبيك»، كغيرها من الشركات، عن الكشف عن توقعات إدارتها التنفيذية للإيرادات والأرباح المستقبلية، وستكتفي بدلاً من ذلك بنشر أرقام تاريخية تعكس الأداء السابق، وهي أرقام تفقد قيمتها العملية تقريباً بالنظر إلى وتيرة النمو والتغير السريعة، التي تشهدها الشركة.

وحسبما أفادت «فايننشال تايمز» فقد بلغت إيرادات الشركة العام الماضي 4.6 مليارات دولار، غير أن معدل إيراداتها السنوي التشغيلي قفز بحلول شهر يوليو من هذا العام، ليصل إلى 65 مليار دولار.

وتعود هذه الفجوة إلى ثغرة قانونية، تنص على أن الشركات تتمتع بحماية من المسؤولية القانونية عند تقديم توقعات مستقبلية بحسن نية بعد إدراجها رسمياً وتداول أسهمها، لكنها لا تحظى بهذه الحماية قبل الطرح، وقد أظهرت دراسة أعدها باحثون من جامعة أريزونا، وجامعة كارولاينا الشمالية، وجامعة واشنطن، وجامعة ميشيجان، أن ثلث الشركات المدرجة تحاول التعامل مع هذه المشكلة عبر تقديم إرشادات شفاهية خلال «الجولات الترويجية»، التي تسبق الاكتتاب، وإن كانت تقتصر في أغلب الأحيان على الخطوط العريضة لهوامش الربحية المستهدفة في مرحلة الاستقرار.

وهناك بيانات جوهرية أخرى قد يرغب المستثمرون في معرفتها دون أن يتسنى لهم الحصول عليها؛ وفي مقدمتها تحديد هوية العميلين اللذين استحوذا بمفردهما على ربع إيرادات «أنثروبيك» خلال العام الماضي.

كذلك إذا كان هناك خطر حقيقي بنهاية كارثية يسببها الذكاء الاصطناعي فما هي درجة هذا الخطر بدقة؟ كان بمقدور «أنثروبيك» الإفصاح عن تقديراتها للمفهوم الرياضي المعروف بـ«احتمال الفناء» P(doom)، والذي يقيس الاحتمالية الرياضية للتدمير الشامل، بل وكان بإمكانها تقديم جدول تحليلي، يوضح مسار الأرباح المستقبلية في حال ارتفاع أو انخفاض هذه النسبة، على غرار ما تفعله البنوك عادة لتقييم سيناريوهات أسعار الفائدة.

وبدلاً من ذلك يتوقع أن تتخذ «أنثروبيك» الخيار الأسوأ على الإطلاق، وهو تقديم تقديرات ضبابية وغير دقيقة لـ«إجمالي حجم السوق المستهدفة».

وقد تحاول الشركة التفوق على منافستها «سبيس إكس»، التي استعرضت في وثائق إفصاحها حجماً للسوق المستهدفة قدره 28.5 تريليون دولار، وهو رقم خيالي يعادل 600 ضعف الإيرادات، التي يتوقع المحللون أن تحققها شركة الصواريخ، التي يملكها إيلون ماسك هذا العام، ويبقى عامل الخطر الحقيقي والانكشاف الأكبر في احتمال انسياق المستثمرين بسهولة وراء هذه الأرقام البراقة، ليتلقوا في النهاية صدمة وخيبة أمل قاسية.