كريس جايلز
إذا كان هناك أمر يتفق عليه مسؤولو البنوك المركزية عادة، فهو أن السياسة النقدية تؤثر في جانب الطلب لا في جانب العرض.
وتؤدي هذه الاستجابة إلى خفض الطلب وإيجاد قدر من الفائض في الطاقات الاقتصادية غير المستغلة، ما يمنع الشركات من زيادة الأسعار ويمنع العمال من المطالبة بأجور أعلى. وتعد هذه السلسلة الآلية الرئيسية لإنفاذ سياسة نقدية متشددة تكبح ضغوط التضخم.
وكان سلفه جيروم باول قد تحدث في 2022 عن كيفية خفض التضخم في مرحلة ما بعد الجائحة عبر «تهدئة نمو الطلب على العمالة»، مشيراً إلى أن «السياسات الداعمة لعرض العمالة لا تدخل في نطاق اختصاص الفيدرالي، إذ تقتصر أدواتنا في المقام الأول على التأثير في الطلب».
ومن ثم، إذا تصاعدت ضغوط التضخم بسبب صدمة عرض سلبية، فإن الخيار الوحيد أمام البنك المركزي لسد هذه الفجوة هو خفض الطلب، وبالتالي تقليص الإنتاج والتوظيف».
ورغم أنه من البديهي أن الفيدرالي لا يمكنه ضخ النفط، فليس من البديهي إطلاقاً صحة افتراض بأن أدوات صانعي السياسة النقدية تؤثر في الطلب على العمالة دون العرض.
فإذا أدت زيادة الضرائب لاقتطاع المبلغ نفسه من أفراد المجتمع، سواء أكانوا بلا عمل أم يعملون بدوام كامل، فإن الاستجابة المتوقعة في سوق العمل هي السعي لزيادة ساعات العمل لتعويض الخسارة في القوة الشرائية.
ويعرف هذا اقتصادياً بـ «أثر الدخل السلبي»، والذي تظهر الدراسات أن أثره يتضح في الفئات الأكثر استجابة للتغيرات الضريبية، مثل النساء اللاتي لديهن أطفال، وأصحاب الوظائف غير المستقرة؛ إذ يستجيب الأفراد لانخفاض دخلهم برغبة أكبر في العمل.
وإذا نجحت السياسة النقدية المتشددة في تحفيز عرض العمالة، فإنها لن تخلق الفائض المطلوب في سوق العمل عبر تخفيض الطلب على العمالة فحسب، بل وأيضاً من خلال تشجيع المزيد من الأفراد على السعي للحصول على فرص عمل إضافية.
وكما أوضحت ميتالي داس، من كبار الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، فإن هذه الآلية تمنح البنوك المركزية «فاعلية أكبر لكل وحدة تشديد نقدي».
وتعد الورقة البحثية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، التي أعدها ميتالي داس، وجوناثان هامبور، وكلاوس-بيتر هيلفيج، وجون سبراي، الدليل الأوضح؛ إذ تتميز القروض العقارية في أستراليا بخضوعها لأسعار فائدة متغيرة، ما جعل الارتفاع الحاد للفائدة منذ 2022 يؤدي لتراجع سريع في القوة الشرائية للمقترضين.
وأظهرت المحاكاة أن انخفاض التوظيف كان سيزيد بمقدار الضعف لو أُبقي على معدل الاستقالات ومعدل عرض العمالة ثابتاً، ما يعني أن استجابة العرض حدت من الهبوط الحاد في التوظيف الإجمالي.
كما وجد كانتوري، وفيليبو فيروني، وهارون ممتاز، وأنجيليكي ثيوفيلوبولو أنه رغم انخفاض إجمالي ساعات العمل نتيجة تراجع الطلب، قامت الفئات الواقعة في أدنى سلم الدخل بزيادة ساعات عملها تحت أثر الدخل السلبي.
وخلصوا إلى أن «تكلفة خفض التضخم بالنسبة للسلطة النقدية أصبحت أقل بكثير بفضل استجابة عرض العمالة المعاكسة للدورة الاقتصادية لدى الفئات الأدنى دخلاً».