هيئة تحرير فايننشيال تايمز

بعث قادة كندا والمفوضية الأوروبية برسالة رئيسية واحدة، حرصوا على التأكيد عليها في كلمتين متتاليتين في وقت سابق من هذا الشهر، وهي «أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تفكيك النظام الدولي القائم على القواعد».

ففي ستراسبورج تعهد مارك كارني وأورسولا فون دير لاين بإنشاء تحالف أعمق لجعل اقتصاديهما أكثر مرونة وسيادتهما أكثر فاعلية، وقد كان ذلك كافياً لإثارة غضب دونالد ترامب، غير أن الطريق العملي لهذا التحالف لم يُبتّ فيه بعد.

وفي أكتوبر المقبل ستعمل قمة تجمع بين الاتحاد الأوروبي وكندا على تحويل هذه العبارات الخطابية إلى سياسات عملية ملموسة، وينبغي على الجانبين رفع سقف طموحاتهما، فهما يتكاملان في مجالات عديدة لدرجة تجعل المكاسب المرجوة كبيرة للغاية، فموارد الطاقة والمعادن المهمة تشهد طلباً هائلاً في أوروبا، وتتوفر بوفرة في كندا.

كما يوفر السوق الأوروبي الضخم تنوعاً مهماً للغاية لدولة تتعرض لهزات قوية جراء السياسة التجارية المتقلبة والمستبدة لجارتها. إلى جانب ذلك يمتلك الجانبان قدرات هائلة في مجال التطوير التكنولوجي الذي يسعيان إلى تقليل اعتمادهما فيها على الولايات المتحدة أو الصين، فضلاً عن تشاركهما مصالح جيوسياسية في منطقة القطب الشمالي، وإمكانية التعاون بشكل أكبر في سياسة الصناعات الدفاعية، وتحقيق أي تقدم في هذه الملفات سيجعل من القمة حدثاً يستحق العناء.

رغم ذلك ينبغي عدم المبالغة في التوقعات أو التهويل في الإمكانات؛ فقد جانب فون دير لاين الصواب عندما دعت كندا «لتكون أول عضو مشارك في الاتحاد الأوروبي»، فمثل هذا الصفة غير موجودة أصلاً في معاهدات الاتحاد.

وقد مثل هذا الطرح مفاجأة غير مدروسة لعواصم الاتحاد الأوروبي، بل لقد كانت الصفة نفسها محجوزة لملف آخر، فقد كانت برلين تروج من جانبها لمقترح إعطاء صفة العضو المشارك لأوكرانيا كطريقة لدمجها تدريجياً في التكتل، والأهم من ذلك أن هذا الطرح يوحي بدرجة أعمق بكثير من التكامل مقارنة بما تدرسه كندا أو تفكر فيه، فأي فكرة تتعلق بعضوية الاتحاد الأوروبي تقترن حتماً بتقاسم السيادة الوطنية، بغرض الاستفادة من سياسات مترابطة وصارمة. وكندا لا ترغب في التنازل عن سيادتها.

ولا تملك هامشاً كبيراً للاندماج في سياسات مثل السوق الأوروبية الموحدة؛ لأن خطوة كهذه ستفرض عليها تشييد حواجز القيود التجارية مع شريكها الأكبر، الولايات المتحدة، بتكاليف اقتصادية باهظة تجعل تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» تبدو وكأنها نزهة سهلة.

إن إقامة شراكة أكثر تواضعاً، لكنها أكثر واقعية، ستكون كافية، وبعيداً عن مضمون أي تعاون قد يتم الاتفاق عليه فإن ذلك سيعد نجاحاً لأجندة «القوى المتوسطة» التي يتبناها كارني، كما أنه سيسهم في معالجة بعض الأضرار التي لحقت بمصداقية الاتحاد الأوروبي نتيجة فشل أعضائه في التصديق الكامل على اتفاقية التجارة بين الاتحاد وكندا، وهي الاتفاقية المبرمة منذ عقد من الزمان.

في الوقت نفسه يجب على الاتحاد الأوروبي أن ينظر إلى علاقاته المتطورة مع كندا في سياق ما يمكنه تقديمه لشريحة أوسع من الدول مثل بريطانيا والنرويج وسويسرا وتركيا، وهي دول لا تلوح في الأفق بوادر انضمامها للاتحاد الأوروبي.

لكن التعاون الوثيق معها يعد أمراً حتمياً، ويبدو أن النهج الحالي للاتحاد الأوروبي يقتصر بدلاً من ذلك على ثنائية انتقائية ومؤقتة مع كل دولة على حدة، وهو ما يعرضه لخطر إهدار فرصة بناء قيادة استراتيجية أكثر عمداً ووعياً.

وإذا أراد الاتحاد الأوروبي صياغة النظام الاقتصادي العالمي المتغير فعلى التكتل توضيح مزايا التعاون التي هو مستعد لتقديمها، بدءاً من إتاحة فرص أكثر طموحاً للوصول إلى السوق الموحدة، وصولاً إلى إشراك تلك الدول، ولو بشكل محدود، في سياسته الناشئة المعروفة بـ«صنع في أوروبا» الخاصة بالدعم التفضيلي والمشتريات الحكومية، كما ينبغي له أن يوضح أيضاً الالتزامات المتبادلة والملزمة قانوناً التي ينتظرها في المقابل.

وعلاوة على ذلك لا ينبغي لأي من هذه الأمور أن يطغى على المهمة الجوهرية المتمثلة في ضم الدول الراغبة فعلياً في الانضمام إلى الاتحاد، ويعني ذلك أوكرانيا قبل كل شيء.

إلى جانب دول مثل الجبل الأسود، التي تبذل قصارى جهدها لتلبية معايير الانضمام الصارمة للاتحاد، وتعد هذه المهمة أكثر صعوبة من إيجاد أرضية مشتركة مع شركاء مثل كندا، غير أنها تمثل في الوقت ذاته اختباراً أعظم لأهمية الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية.