وكانت العملة البريطانية؛ الجنيه الإسترليني، تسقط سقوطاً حراً، واحتياطيات البلاد من النقد الأجنبي تستنزف بسرعة. وأدرك هيلي أن ركوبه الطائرة سيبقيه منقطعاً عن التواصل مع لندن لمدة 17 ساعة، فقرر العودة فوراً من المطار.
وبدأ إجراءات تقديم طلب لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 3.9 مليارات دولار، وهو أكبر مبلغ يطلب من الصندوق آنذاك.
وعملياً، تم تفويض إدارة الاقتصاد البريطاني لمجموعة من البيروقراطيين في صندوق النقد الدولي الذين أقاموا بفندق «براونز» بمنطقة «مايفير» بأسماء مستعارة.
وفرض هؤلاء المسؤولون ثمناً باهظاً، تم دفعه من تقليص صارم للإنفاق العام، ما أدى إلى خلافات حادة داخل مجلس الوزراء.
غير أن رئيس الوزراء جيمس كالاهان والوزراء المعارضين للشروط اضطروا للقبول بها في النهاية، لأن البدائل المتاحة كانت كارثية وغير قابلة للتطبيق، إذ تمثلت في التحول إلى اقتصاد حصار يفرض قيوداً على الواردات، أو التخلف الرسمي عن سداد الديون السيادية.
ففي عام 1976، شهدت المملكة المتحدة أشد فصول الصيف حرارة وجفافاً في الذاكرة الحية، بالتزامن مع الارتفاع المتسارع لأسعار النفط. لكن التركة الاقتصادية الكئيبة التي ورثتها حكومة العمال الجديدة من حزب المحافظين عام 1974 كانت شديدة القسوة أيضاً.
وخرج المعروض النقدي والتسهيلات الائتمانية عن السيطرة. وأصبحت بريطانيا أسيرة لدوامة التضخم المتبادل بين الأجور والأسعار، مصحوبة بفقاعة في سوق العقارات.
نتيجة لذلك، أصبحت الشركات المثقلة بالضرائب تعاني أزمة سيولة نقدية حادة. وفي ميزانية مارس 1976، وفي وقت تجاوز فيه التضخم معدل 21%، زاد هيلي الطين بلة برفع نسبة ضريبة الشركات من 50% إلى 52%، ورفع معدلات ضريبة الدخل، وفرض النسبة الشهيرة البالغة 98 % كحد أقصى للضريبة الحدية على عوائد الاستثمار.
وتهاوت أسعار المنازل، وتصاعد التشدد النقابي والاحتجاجات العمالية، وشهد النظام المصرفي حالة من الشلل، حتى بدأ الجمهور يتساءل عن مدى قدرة النظام الرأسمالي على الاستمرار.
وبعد انهيار شركة «ألفريد هيربرت»، كبرى شركات تصنيع الآلات والمعدات في بريطانيا، وتدخل الدولة لإنقاذها في أكتوبر 1974، استوعب هيلي الدرس.
وفي ميزانية مصغرة طرحها في الشهر التالي، أقر إعفاءات ضريبية على إعادة تقييم المخزونات، إلى جانب حزمة إجراءات لتخفيف أزمة السيولة التي خنقت القطاع الصناعي.
وكما كشف هيلي لاحقاً في سيرته الذاتية، كانت وزارة الخزانة تزود الأسواق وصندوق النقد الدولي بأرقام مفرطة في التشاؤم بشأن حجم الاقتراض المطلوب للقطاع العام. ونتيجة لذلك، لم تسحب قيمة قرض صندوق النقد بالكامل، وتم سداده قبل موعده.
واليوم، ورثت حكومة العمال المنتخبة في عام 2024 مالية عامة تعاني من اختلالات مشابهة تركتها إدارات المحافظين السابقة. ومرة أخرى، تنظر السندات بشك وحذر بالغين إلى التطورات.
ورغم أن القطاع الصناعي البريطاني لا يواجه خطر الإفلاس المباشر، فإن هناك إجماعاً على أن البلاد تعاني من مشكلات هيكلية في معدلات النمو وبطالة الشباب، وهي مشكلات تفاقمت بفعل القرارات الحكومية الأخيرة، مثل رفع مساهمات أرباب العمل في التأمين الوطني.
إن قضية الملاءة المالية للدولة اليوم أشد خطورة مما كانت عليه في عام 1976؛ إذ كانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي حينها أدنى قليلاً من 50 %، بينما تقترب اليوم من 100 %.
كما يلقي باللوم على زيادة نسبة كبار السن التي ينظر إليها كعبء متزايد على نظام الرعاية الاجتماعية، في وقت تحتاج فيه الحكومة بشكل عاجل إلى زيادة الإنفاق الدفاعي.
ولذلك، يواجه المسؤولون الماليون اليوم خيارات صعبة للجمع بين تحقيق النمو واستقرار المالية العامة، وسيكون من الصعب جداً على الميزانية المرتقبة في 28 أكتوبر إعادة التفاؤل والارتياح للشارع والأسواق البريطانية.