كاميلا بالادينو

أصبح المصطلح الأكثر تداولاً في الأوساط التقنية والمالية اليوم يعبر عن دالة رياضية افتراضية تقيس احتمالية تسبب الذكاء الاصطناعي في دمار شامل، والمعروفة اختصاراً بـ «احتمالية الهلاك».

ومع تصاعد هذه المخاوف، شهدت أسهم الشركات التي توفر حلول الحماية الرقمية ارتفاعات ملحوظة؛ إذ تضاعفت القيمة السوقية لشركات الأمن السيبراني الكبرى مثل «باولو ألتو نيتووركس»، و«كراود سترايك»، و«فورتينت» بأكثر من الضعف خلال الأشهر الستة الماضية.

ولا تخفى أسباب هذا الانتعاش؛ فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على القدرة الفائقة على اختراق بيئات الاختبار المعزولة والتسلل إلى مختلف المؤسسات والجهات، بدءاً من منصة «هاجينغ فيس» وصولاً إلى الحكومة الأسترالية، بل يمنح الفاعلين الخبثاء والمخترقين قدرات فائقة على إنشاء محتوى «تزييف عميق» قادر على تضليل أنظمة الأمان، وصياغة رسائل احتيال إلكتروني مخصصة، فضلاً عن استدراج وكلاء الذكاء الاصطناعي العاملين داخل الشركات وتوريطهم في تسريب البيانات.

وأمام هذه الهجمة الشرسة والتهديدات المتزايدة، تسارع المؤسسات والشركات إلى زيادة إنفاقها لمواجهة المشكلة.

وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة «تي دي كوين» استناداً إلى بيانات «غارتنر»، فمن المتوقع أن ينمو الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني بمتوسط 10 % سنوياً بين عامي 2025 و2030.

كما يتوقع المحللون، وفق تقديرات «إس أند بي كابيتال آي كيو»، أن تسجل الإيرادات السنوية لعمالقة القطاع مثل «باولو ألتو» و«كراود سترايك» نمواً يقارب 20 % سنوياً خلال العامين المقبلين.

ورغم الاستئثار المؤكد لبرامج الأمن السيبراني بحصة متزايدة من ميزانيات الشركات، يظل السؤال الجوهري: إلى متى ستحتفظ شركات الأمن السيبراني التقليدية بهذه المكاسب؟ إذ تكمن المخاوف الحقيقية في أن نماذج اللغات الكبيرة، التي تتسبب منتجاتها في نشوء هذه المشكلات، قد تكون هي نفسها الأقدر والأكفأ على حلها.

وتحقق هذا الطرح بالفعل إلى حد ما؛ فمنذ أن أطلقت شركة «أنثروبيك» نموذجها القوي «ميثوس» في أبريل الماضي، أصبحت نماذج اللغات الكبيرة الخيار الرئيسي لتقديم خدمات الفحص البرمجي، بفضل قدرتها على اكتشاف آلاف الثغرات الأمنية التي كانت تخفى سابقاً.

وتعد عملية تزويد مطوري البرمجيات بـ «التحديثات» لإصلاح الشفرات المعيبة فرصة تجارية واعدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنشاط نماذج اللغات الكبيرة.

إلا أن تحديد أي من هذه الثغرات المحتملة يتطلب المعالجة أولاً، ثم تطبيق التحديثات البرمجية داخل الأنظمة التشغيلية للشركات، ليس أمراً ليس بمقدور نماذج الذكاء الاصطناعي حتى الآن.

وهنا تظهر الميزة التنافسية لشركات الأمن السيبراني التقليدية المتجذرة عميقاً في البنية التحتية لعملائها، ما يرجح نشوء تحالف وشراكة بين مطوري النماذج ومزودي الأمن السيبراني لمواجهة التهديدات البرمجية.

في الوقت نفسه، وبالتزامن مع اتساع نطاق الذكاء الاصطناعي، تواصل شركات الأمن السيبراني التقليدية عملها المعتاد لكن بكثافة أكبر. إذ تظهر أبحاث شركة «بيرنشتاين» أن أكثر من 80% من الهجمات تسعى لاستغلال الثغرات البشرية مثل سرقة الهويات أو اختراق كلمات المرور.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يسهل مهمة المخترقين في هذا الجانب، إلا أن مطوري النماذج ليسوا في الموقع الأفضل لكشف هذه الأنشطة.

فضلاً عن ذلك، تمتلك شركات الأمن السيبراني ميزة «تأثير الشبكة» التي تفتقر إليها نماذج اللغات الكبيرة، إذ تستغل البيانات الناتجة عن هجوم يستهدف عميلاً واحداً لتعزيز الخطوط الدفاعية لجميع العملاء الآخرين فوراً.

ومع مرور الوقت، قد تتسع وتعمق شركات الذكاء الاصطناعي علاقاتها مع العملاء من خلال التركيز على تقديم التطبيقات المؤسسية، غير أن الزيادة الكبيرة في حجم ونوعية الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستخلق طلباً استثنائياً على خدمات الحماية أكبر من أي حصة قد تقتطعها نماذج اللغات الكبيرة في هذا السوق.

وخلافاً لشركات البرمجيات الأخرى، لا تواجه شركات الأمن السيبراني خطر الاستغناء عنها أو تجريدها من دورها لصالح المبرمجين الهواة أو المعتمدين على الانطباع والسطحية أو من يطلق عليهم «Vibe Coders».

وهم من يستعينون بالذكاء الاصطناعي لإنشاء البرمجيات. إذ لن تجرؤ أي شركة، مهما بلغ حرصها على تخفيض التكاليف، على إسناد مهمة درء الكوارث وحماية أمنها السيبراني إلى غير المختصين.