جوناثان بلاك - نائب مستشار الأمن القومي السابق وممثل المملكة المتحدة في قمة بلتشلي لأمان الذكاء الاصطناعي



ورث رئيس الوزراء البريطاني الجديد دولة تعاني من شلل هيكلي؛ دولة ظلت لأكثر من عقد تصارع لتحديد أولوياتها، وتحمّل التبعات المترتبة عليها، وإصلاح هذا الوضع يتطلب إرادة سياسية وقدرة مؤسسية لدى الدولة؛ وكلاهما عنصر أساسي وضروري، لكن وجود أحدهما لا يكفي بمفرده دون الآخر.

وتشير أجندة نقل السلطات إلى الإدارات المحلية (اللامركزية) الطموحة، التي يتبناها، أندي بانهام، إلى وجود نية جدية على كلا الصعيدين، إلا أن الاختبار الحقيقي سيكون في مواجهة خيارات جرى التهرب منها لطائل من الزمن، وتأتي الرعاية الاجتماعية في مقدمة هذه الخيارات، التي قطع بانهام على نفسه عهداً بالتصدي لها.

يضاف إلى ذلك إصلاحات قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار، والتي يفسر غيابها حالة التصلب والركود التي تشوب النمو الاقتصادي، إلى جانب إصلاحات الرعاية الاجتماعية والنظام الضريبي اللازمة، لإتاحة الفرص في عصر الذكاء الاصطناعي، ولتمكين بريطانيا من الخروج من المأزق المالي المغلق الذي تحاصَر فيه، وإذا جازفت الحكومة، وبادرت بالتحرك بشجاعة في أي من هذه الملفات ضمن خطتها الممتدة لعشر سنوات والموعودة، فمن الواجب علينا جميعاً ألا نُجهض هذه المحاولات أو نعطلها، لكن تعزيز قدرة الدولة لن يحدث تلقائياً لمجرد توفر الإرادة السياسية، فبعد أن استنزفها الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» وجائحة «كوفيد 19» أمضت الدولة عقداً كاملاً في إدارة القرارات بدلاً من اتخاذها، كما أن التحدي الحاسم الذي يطبع هذا العقد، وهو المنافسة الجيوسياسية، يتعارض كلياً مع كيفية تصميم وإدارة الحكومة؛ إذ إنها منظمة ومصممة على نحو رأسي، في حين أن الخيارات والأولويات الأكثر أهمية اليوم تتشابك وتمتد على نحو أفقي.

وبعد أن أمضيت 25 عاماً في الخدمة المدنية أستطيع أن أرى الآن من الخارج بوضوح أكبر مما كنت أراه من الداخل، أن مركز إدارة الحكومة بحاجة إلى إعادة هندسة شاملة، فالتطورات الجيوسياسية تعني أنه لم يعد من الممكن إدارة الاقتصاد والأمن، أو السياسات المحلية والدولية، كأنها جزر معزولة ومستقلة، وإذا أرادت بريطانيا المنافسة وتحقيق «النمو الشامل» فإننا بحاجة إلى إدراك أكثر واقعية وحزماً لميزتنا الاستراتيجية، ويشمل ذلك تبني سياسة اقتصادية محلية أكثر فاعلية، تقوم على سياسة صناعية ذكية ونقل مدروس للسلطات، وأن تأخذ سياستها الخارجية في الحسبان الواقع العالمي الراهن.

لقد عملت مع عدد لا حصر له من المسؤولين الذين رغبوا في مواجهة هذه الخيارات وحسمها، لكنهم اصطدموا بنظام مكبل ومحاط بالجمود، وإصلاح هذا الخلل أمر غير حزبي، ولا يخضع للتجاذبات السياسية، بل هو المنطق الطبيعي لطموح الحكومات المتتابعة، وهناك ثلاثة تغييرات رئيسية من شأنها فك هذا الجمود، إلى جانب تبني الذكاء الاصطناعي في آلية اتخاذ القرارات نفسها، وليس فقط في كيفية تنفيذها وتطبيقها.

أولاً، إعادة تصميم عملية اتخاذ القرار، حيث يفترض أن يكون نظام مجلس الوزراء البريطاني نموذجاً شبه مثالي للتعامل مع المنافسة الجيوسياسية، غير أن الضغوط والجمود الذاتي يفرضان نزوعاً نحو اتباع الخيارات الآمنة وتجب المخاطرة، وإذا تم التعامل مع إنشاء «مكتب رئيس الوزراء» الجديد بمنظور جذري وعميق فإنه يشكل فرصة حقيقية لدمج المجالات والقطاعات المنفصلة، وفرض التوازنات والمفاضلات الاستراتيجية، والأهم من ذلك إقناع الرأي العام، وحشده لتأييد هذه الخيارات.

ثانياً، يجب تسريع وتيرة الإنجاز، وحظر إعادة مناقشة القرارات بعد اتخاذها، فالمملكة المتحدة تمتلك متاهة من الهيئات والأجهزة ذات المهام والمتطلبات المتداخلة، التي تشجع على هذا الإجراء تحديداً؛ حيث تصبح الشكليات والإجراءات بديلاً عن الجوهر والمضمون، كما أن هناك حاجة ماسة لتفكيك القواعد والإجراءات، التي قد تبدو منطقية في سياقها الخاص، لكنها تغلّب المصالح الضيقة والخاصة على المصلحة الوطنية العليا، ورغم أن عملية نقل السلطات تسهم في معالجة جانب من ذلك من خلال نقل المسؤولية والمساءلة إلا أنه ينبغي إقرار آلية لتجاوز العقبات الإدارية تلقائياً بالنسبة لمشاريع البنية التحتية الاستراتيجية بمجرد أن يصنفها البرلمان أولوية قصوى.

ثالثاً، لا بد من تغيير نظام الحوافز، بحيث تكون هناك مكافآت للمؤسسات والأفراد الذين يسعون لإحداث تحول وتغيير جذري في النظام، ودعم المغامرين تماماً، كما يتم دعم الإداريين الحذرين، كذلك ينبغي التمييز بوضوح بين القرار الجريء، الذي لم يحالفه النجاح، وبين القرار العادي القابل للإدارة، الذي أسيء تطبيقه وتنفيذه؛ فيكافَأ الأول، ويحاسَب الثاني.

ورغم حالة الشلل هذه لا تزال بريطانيا قادرة على إنجاز الأمور، فبعض جوانب الاستجابة لجائحة «كوفيد» لم تنل حقها من التقدير، مثل تطوير اللقاحات كبرنامج إجازات العمل المدفوعة، وهي إنجازات تظهر ما يمكن تحقيقه، كما يقدم «معهد أمان الذكاء الاصطناعي» ذو الأهمية العالمية مثالاً آخر على ذلك، فالمنظومة لا تفتقر إلى الكفاءات المتميزة الراغبة في نهضة البلاد وتحسين أوضاعها، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تعميم هذه الثقافة وتطبيقها على المشكلات الهيكلية ذات الأبعاد السياسية المجهدة والتنافسية.

إن الخيط الناظم والواضح طوال العقد الماضي هو أن الشارع والجمهور ظل يصوت باستمرار لصالح التغيير، وهذا الاستحقاق لا يتطلب مجرد دولة قادرة على تحقيق هذا التغيير وتنفيذه فحسب، بل يتطلب دولة قادرة أساساً على اتخاذ الخيارات الاستراتيجية الكفيلة بإحداثه.