سومية كينز

عندما يتأمل المرء احتمال فناء البشرية تجد أن بعضنا يتملكه استرخاء مفرط، مفترضين أن الآلات لن تنقلب علينا أبداً، أو أننا إذا وصلنا إلى تلك المرحلة فإننا نستطيع ببساطة إيقاف تشغيلها، وفي المقابل يفرط آخرون في التشاؤم، مؤكدين أن الكارثة أصبحت وشيكة، ويعرضون عليك معادلة، تعبر عن نسبة احتمال أن يقضي الذكاء الاصطناعي علينا جميعاً، ولأولئك الذين يتأرجحون في حيرة بين هذين المعسكرين إليكم ثلاث نصائح، للحفاظ على التفكير المتزن ووضوح الرؤية.

أولاً، فكر بدقة فيما تعنيه «الكارثة» أو «الفناء» بالنسبة لك.

إذا كان كل ما يهمك هو إيقاف الانقراض التام للبشرية فالخبر السار هو أن القضاء على جميع البشر سيكون غالباً أمراً شديد الصعوبة؛ إذ أشار أحد المختصين في التوقعات المستقبلية لعقبات متعددة، منها العمر المحدود لبطاريات الروبوتات القاتلة، ووجود حدود لكميات الذخيرة التي يمكنها حملها، ويبدو أيضا أننا، حتى الآن، لا نملك ترسانة نووية كافية لإحداث «شتاء نووي» يودي بحياة البشرية جمعاء.

أما إذا كنت لا ترى فارقاً كبيراً بين كارثة تودي بحياة مليارات البشر وبين الانقراض التام، وأن الناجين سيكون أغلبهم من المليارديرات المحصنين داخل ملاجئهم تحت الأرض، فأنت بذلك تعبر عن موقف طبيعي للغاية.

رغم ذلك فإن الأجدر هو أن نفكر فيما قد نخسره؛ فعندما سئل المشاركون في أحد الاستطلاعات عن سيناريو تدمير عالم مستقبلي كان يفترض أن يكون مثالياً وفاضلاً، أكد أغلبيتهم أن الانقراض في هذه الحالة سيكون أمراً محزناً للغاية.

ونصيحتي الثانية هي الحذر من الوقوع في فخ تحيزاتك الشخصية، خصوصاً أن تهديد الذكاء الاصطناعي من الأمور التي يصعب استيعابها بسهولة.

وفي شرح قدمه عالم الإحصاء ديفيد شبيغلهالتر استعرض قائمة بـ«عوامل الخوف»، التي ترفع مستوى الإحساس بالخطر؛ وهي: عندما يكون الشيء غير قابل للسيطرة، أو يمتلك قدرة تدميرية كارثية، أو له نتائج مستقبلية مميتة، أو غير مفهوم، أو جديد تماماً، أو تتحقق أضراره بشكل لاحق.

قد يخطر ببالك للوهلة الأولى أن القائمة منطقية، غير أن الفكرة الثانية التي يجب أن تتنبه لها هي أن الذكاء الاصطناعي تنطبق عليه القائمة كلها.

ويحذر علماء الاقتصاد السلوكي من ظاهرة تعرف بـ«انحياز الإتاحة الذهنية» (Availability Bias)، أي ميلنا إلى المبالغة في الاعتماد على المعلومات القريبة أو المخيفة، ونهمل الإحصاءات والأرقام الحقيقية، لذلك ومع تصاعد النقاش حول احتمالية الفناء توقف قليلاً وسل نفسك ما مدى احتمالية أن يهاجم سرب من الطائرات المسيّرة المتمردة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي كوخك ويدمره؟ هل هي احتمالية مرتفعة بالفعل بالقدر الذي تشعر به؟ فكر في ذلك قبل أن تبدأ في طلب كميات هائلة من الخرسانة المسلحة لبناء ملجئك.

وهناك آلية ذهنية أخرى شائعة تعرف بـ«التقييم العاطفي» (Affect Heuristic)، وهي ميل الناس إلى تقييم المخاطر استناداً إلى الانطباعات والمشاعر التي تنتابهم في اللحظة الراهنة سواء كانت إيجابية أم سلبية، فإذا كانت مشاعرك تجاه احتمالية الفناء قد وصلت إلى درجة اليقين في أن هناك قوة شريرة يديرها الذكاء الاصطناعي على وشك خداع الرئيس دونالد ترامب ودفعه إلى إشعال معركة «هرمجدون» النووية، فكر ملياً في مدى تأثر هذا الشعور بانزعاجك الفعلي من طنين مركز البيانات الجديد، الذي بني بجوار منزلكم،

لكن «انحياز الإتاحة الذهنية» يمكن أن يعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً. نعم، نجح سرب من برامج الذكاء الاصطناعي المستقلة مؤخراً في الخروج من بيئة الاختبار الخاصة بها وتنفيذ عمليات اختراق وخداع، لكنها لم تخترق بريدك الإلكتروني الشخصي، لذلك قد تجد نفسك غير مبالٍ بالأمر.

وبالتالي، بما أننا لم نشهد انقراض البشر من قبل فقد نميل إلى التقليل من احتمال حدوثه لنا؛ وهو منطق ربما كانت الديناصورات سترفضه لو أتيحت لها فرصة الحديث معنا، وإذا أضفت إلى ذلك ميلنا إلى التمسك بـ«الوضع الراهن»، يصبح التقاعس عن اتخاذ أي إجراء أمراً متوقعاً للغاية.

والأمر نفسه ينطبق على «اختصار التقييم العاطفي»، فأنت لست وحدك إذا كنت تشعر بالشك تجاه أصحاب «النظرة المستقبلية طويلة الأجل»، الذين ينشغلون بإنقاذ أرواح الأجيال القادمة إلى درجة قد تجعلهم ينسون الأرواح التي تحتاج إلى الإنقاذ اليوم، لكن مجرد سخريتهم منك لأنك تبرعت لجمعية لحماية الحمير بدلاً من التبرع إلى مركز مؤتمرات جديد وفاخر مخصص لجمع الخبراء، أمثالهم، لإنقاذ البشرية، لا يعني بالضرورة أنهم مخطئون بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي.

وقد حاولت دراسات حديثة إعادة تفسير كثير من هذه التحيزات السلوكية، بدلاً من إرجاعها ببساطة إلى تفضيل ثابت للوضع الراهن أو الميل إلى تفضيل المكافآت الفورية، لكن عندما نواجه قدراً كبيراً من عدم اليقين يصبح العبء الذهني اللازم لفهم ما يحدث ثقيلاً للغاية، ويكون من الصعب تحديث معتقداتنا.

وتتمثل نصيحتي الأخيرة في أن نفكر ملياً في طبيعة حالة «عدم اليقين» التي نواجهها، فالذكاء الاصطناعي ليس لعبة «روليت روسية»، وأن هناك احتمالاً مؤكداً يبلغ واحداً من ستة بأن تنتهي اللعبة برصاصة في رأسك.

نحن أمام لعبة لا نعرف قواعدها، ولا احتمالاتها، ولا السيناريوهات الممكنة فيها، ولا حتى مدى معقولية كل منها، بعبارة أخرى فإن الصورة أكثر غموضاً وضبابية بكثير مما قد توحي به الأرقام الدقيقة لـ«احتمالية الفناء»، التي يجري تداولها هنا وهناك.

وأخشى أنني لا أستطيع أن أجزم لكم بما إذا كان المتفائلون أكثر من اللازم على حق، أم أن المتشائمين الذين يحذرون من الهلاك هم المصيبون، وهذا في حد ذاته جزء من جوهر القضية، فالتحدي الذي نواجهه اليوم يتمثل في عدم التوافق بين مؤسساتنا وقدرات الذكاء الاصطناعي من جهة، وبين طبيعة التهديد نفسه وقدرتنا البشرية على استيعابه وفهمه من جهة أخرى.