مارتن وولف

في الأسبوع الماضي، اتخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي قراراً برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4.0%.

وكان هذا القرار منطقياً، بل ومتأخراً عن موعده، بالنظر إلى الإخفاق المستمر في تحقيق مستويات التضخم المستهدفة.

ورداً على ذلك، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غضباً متوقعاً، مصرحاً بأن «أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يجب أن تكون 1% أو أقل، لأننا أصحاب الجدارة الائتمانية الأفضل في العالم وبفارق كبير».

إلا أنه أضاف قائلاً: «قلت لكيفين إن بإمكانه التصويت مع المجلس لأن الأمر لن يشكل فارقاً، فالمجلس شديد المعاداة»، متهماً إياه بـ«رفع الفائدة لأسباب سياسية بحتة موجهة ضد ترامب شخصياً». ولا شك أن هذا الطرح يعد أمراً ينطوي على قدر كبير من «السخف».

ورغم أنه لا يزال من المبكر الجزم بالمسار القادم، إلا أن تصريحات كيفين وارش وتصرفاته الأخيرة تبعث على الاطمئنان. بل إن موقف ترامب نفسه يعزز موقف الفيدرالي من حيث لا يدري؛ لأن السياسة البديلة التي يطرحها لا تمتك أي منطق كفيل بإعطائها وزناً حقيقياً. ويبدو أن وارش يدرك هذه الحقيقة جيداً. أما المؤشر الأكثر إيجابية فهو أن قرار رفع الفائدة حظي بإجماع أعضاء المجلس.

وقد سلط وارش الضوء على نقطتين رئيسيتين خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم الأربعاء الماضي؛ الأولى هي أن التضخم يتجاوز المستوى المستهدف منذ أكثر من خمس سنوات، واستقرار الأسعار ضمن مهام المجلس. والحقيقة المجردة هي أن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية واستمر على هذا النحو لفترة أطول مما ينبغي.

أما النقطة الثانية فهي أن قرار الرفع يأتي في وقت يبدو فيه الاقتصاد الأمريكي آخذاً في التعافي والقوة، ومن ثم تم سحب جزء من التيسير النقدي.

فضلاً عن ذلك، وفي ظل الاستثمارات الضخمة التي تحركها تقنيات الذكاء الاصطناعي، والسياسة المالية التوسعية لترامب، والرسوم الجمركية، إلى جانب الصدمة النفطية الكبيرة الناجمة عن توترات الشرق الأوسط، لم يكن هناك سبب يدعو لتوقع عودة التضخم إلى مستواه المستهدف، بل كان الاحتمال الأرجح هو العكس تماماً.

ولا يعني هذا بالضرورة تنحية جميع الشكوك والمخاوف بشأن إدارة وارش للاحتياطي الفيدرالي جانباً.

إذ تطرح كلاوديا سام، إحدى أبرز المحللين الاقتصاديين، أسئلة عميقة عبر منصة «سابستاك» مثل: كيف تسهم السياسة النقدية، من وجهة نظر وارش، في دعم النمو الاقتصادي؟ وكيف يمكن لسياسة نقدية أكثر تشديداً أن تخفض التضخم دون أن تؤدي إلى تباطؤ النمو؟ وهل لديه تصور محدد لـ«معدل الفائدة المحايد»؟ وإذا لم يكن كذلك، فكيف يتسنى له تقييم مدى «تيسير» السياسة النقدية الحالية؟ الواقع أن وارش قادر على الإجابة عن هذه الأسئلة بل يجب عليه ذلك، دون أن يتخلى عن شكوكه بشأن مدى «إمكانية التنبؤ» بالاتجاهات الاقتصادية، وهي شكوك أشاركه إياها.

في المقابل، فإن ادعاء ترامب بضرورة أن تكون الفائدة عند مستوى 1% لمجرد أن الولايات المتحدة تمثل «أفضل جدارة ائتمانية في العالم» هو ادعاء يفتقر إلى الصلة بالواقع الاقتصادي ويتسم بالسخف.

لأن سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل يعتمد على ظروف الاقتصاد الكلي، خصوصاً معدلات التضخم الحالية والمتوقعة ومستويات البطالة.

أما في الدول التي تتمتع بحكومات ذات جدارة ائتمانية، فإن العوائد الاسمية طويلة الأجل تتحدد بناءً على أسعار الفائدة الحقيقية والتضخم المتوقع والمخاطر المختلفة. ويتحدد العنصر الأول بناءً على ظروف الاقتصاد الكلي على المدى الطويل.

وإذا طُرح عائد سندات الخزانة المحمية من التضخم (TIPS) لأجل 10 سنوات من عائد السندات التقليدية لأجل 10 سنوات، نحصل على التعويض المقدر من السوق عن التضخم خلال تلك الفترة، وهو تعويض يرتبط بالتضخم المتوقع لكنه لا يماثله تماماً نظراً لضرورة التحوط ضد المخاطر.

وفي 17 سبتمبر، بلغ عائد سندات الخزانة المحمية من التضخم لأجل 10 سنوات نحو 2.6%، بينما بلغ عائد السندات التقليدية 4.9%، ما يعني أن تعويض التضخم بلغ 2.3%. وتقع العوائد الاسمية والحقيقية حالياً عند مستويات مقاربة لما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 - 2009.

كما أن تعويض التضخم يعد متواضعاً نوعاً ما بالنظر إلى حجم الصدمات الاقتصادية منذ عام 2021.

وبالمجمل، تبدو العوائد الاسمية عند مستويات معقولة بالنظر إلى الأداء الاقتصادي القوي المسجل أخيراً.

بل إن المرء قد يتساءل عما إذا كان ينبغي لهذه العوائد أن تكون أعلى من ذلك، بالنظر إلى احتمال مواجهة الحكومة الأمريكية صعوبة في الحصول على التمويل بشروط ميسرة في مرحلة ما.

وفي ظل العجز المالي الضخم، والحاجة الماسة للتمويل الخارجي لدولة تعاني عجزاً هائلاً في الحساب الجاري، فضلاً عن التحول من كبار حملة السندات طويل الأجل إلى التمويل عبر صناديق التحوط، فإن حدوث أزمة تمويل يظل سيناريو وارداً على الأقل.

علاوة على ذلك، فإن تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة صاحبة «أفضل جدارة ائتمانية» في العالم هو تصريح غير صحيح.

فصحيح، أن الاقتصاد الأمريكي يمتلك الحجم الأكبر والأقوى، لكن الجذر اللغوي لكلمة «جدارة ائتمانية» (Credit) يعود إلى الكلمة اللاتينية (Credere) والتي تعني «الثقة».

ومن المثير للدهشة أن المستثمرين يواصلون الثقة في الديون السيادية لبلد ينتخب شخصا مثل ترامب مرتين.

وفي ظل سياساته المالية التي تتسم بالرعونة، والرسوم الجمركية التي تتجاوز القواعد المعمول بها، فإن استمرار الثقة بالحكومة الأمريكية يظل أمراً لافتاً. لكن لو تحققت مطالبه بفرض أسعار فائدة عند 1%، (أي بالمعدل الحقيقي سالب 2%)، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى امتناع المقرضين عن التمويل.

إن المهمة الأساسية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي تتمثل في إبقاء التضخم تحت السيطرة، بصرف النظر عن الضغوط السياسية والحجج الواهية التي يطرحها رئيس مأزوم.

وفي غضون ذلك، نجد أنفسنا أمام مواجهة لا تقتصر على الفيدرالي وترامب فحسب، بل تمتد لتكون صراعاً بين اقتصاد يتسم بالصلابة والهيكلية القوية وحكومة تفتقر إلى المسؤولية.

وكيف ستنتهي هذه المواجهة؟ ذلك واحد من أهم الأسئلة الحاسمة في عصرنا الحالي.