روبرت أرمسترونغ

يتولى هاوارد بافيت، نجل المستثمر الشهير وارن بافيت، رئاسة مجلس إدارة شركة «بيركشاير هثاواي» منذ يوم الجمعة الماضي، بعدما ظل لسنوات طويلة رئيساً منتظراً للشركة، إلا أن هذا المنصب ينبغي ألا يكون من نصيبه؛ فمسيرته المهنية حتى الآن، سواء كونه عضواً بمجلس الإدارة في «بيركشاير».

وشركات مساهمة عامة أخرى، أو عبر عمله في قطاع الزراعة والإدارة المحلية، لا تؤهله ليكون الممثل الرئيسي للمساهمين في واحدة من أكبر وأهم المؤسسات الاستثمارية على مستوى العالم، بل إن وارن بافيت نفسه لخص السبب الحقيقي وراء وضعه في هذا المنصب قبل عامين بقوله: «لقد حصل على المنصب لمجرد أنه ابني».

وحول المعايير التي تجعل صلة القرابة هذه مؤهلاً للمنصب، كتب بافيت الأب موضحاً: «يتولى غريغ أبيل «الرئيس التنفيذي» إدارة العمليات التشغيلية للشركة، في حين سيتولى هاوارد حماية ثقافتها وقيمها، وهما عنصران تفوق قيمتهما أي أصل مدرج في ميزانيتنا العمومية».

إلا أن الثقافة والقيم لا تنفصل بحال عن الميزانية العمومية؛ فقرارات الميزانية هي الميدان الحقيقي الذي تختبر فيه الثقافة وتتجسد عبره القيم.

ولهذا السبب تحديداً، يحتاج رئيس مجلس الإدارة إلى الخبرة العملية والجاهزية المهنية، ولا يكفي أن يكون شخصاً نبيلاً أو حسن النية.

وفي قائمة أكبر الشركات الأمريكية من حيث القيمة السوقية هناك العديد من المؤسسات التي تمتلك هياكل حوكمة، تتراوح بين نماذج مزعجة، مثل هيكل الأسهم ثنائية الفئة في شركة «ميتا».

ونماذج دون المستوى المطلوب بشكل يدعو للإحباط، مثل غياب رئيس مجلس إدارة مستقل في «جيه بي مورجان».

ورغم ذلك حققت هذه الشركات نجاحاً لافتاً؛ ولو لم تفعل لما وصلت إلى هذا الحجم الإمبراطوري، بالتالي فإن تولي بافيت الابن، الذي يبلغ من العمر 71 عاماً، رئاسة مجلس الإدارة لنحو عقد من الزمان قد لا يحدث فارقاً جوهرياً في العمليات التشغيلية اليومية للشركة.

لكن تشبيه التأمين الذي استخدمه بافيت الأب صائب تماماً، وإن كان لأسباب تختلف عن تلك التي قصدها، فالحوكمة تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تسوء الأمور وتضطرب المسارات، فماذا لو تبين، على سبيل المثال، أن أبيل ليس على قدر المسؤولية المطلوب؟

يختلف معي في هذا الطرح العديد من المحللين والمستثمرين الأذكياء، ومنهم كريس روسباخ، من شركة «جيه ستيرن وشركاه»، وهو مستثمر قديم في «بيركشاير» وصديق شخصي، إذ يرى أن جمهور المساهمين سيبقون كلاً من أبيل وبافيت الابن تحت الرقابة المستمرة.

وقال: «إن حصة التصويت البالغة 30% التي يمتلكها بافيت الأب ستنخفض بشكل حاد عقب وفاته عند تحويل أسهمه، فالشركة في النهاية شركة مساهمة عامة.

ولا يمكن أن يكون لديك رئيس تنفيذي قوي مثل غريغ يدير أعمالاً متنوعة ومعقدة مثل بيركشاير، وفي الوقت نفسه رئيس مجلس إدارة قوي.

وأعتقد أن وجود رئيس مجلس إدارة يركز صراحة على حماية المبادئ والإرث هو خيار متوازن تماماً، وسيتعين على غريغ تبرير قراراته أمام مجلس الإدارة.

وأتوقع أن يواجه بعض الاعتراضات؛ لأن هناك قرارات مصيرية تلوح في الأفق، ومثلما كان الحال مع وارن فإن العبرة بالنسبة لهاوارد وغريغ ستكون بالسجل الإجرائي والأداء الفعلي، وحتى الآن يسير كل شيء على ما يرام».

وأنا أتفق مع روسباخ في أن هناك قرارات كبرى قادمة. وكما أشرت في مقالات سابقة أصبحت الشركة اليوم بديلاً منخفض التذبذب وفعّالاً ضريبياً لصناديق المؤشرات المتداولة المتابعة لمؤشر «إس آند بي 500»، وهذا أمر جيد في حد ذاته، لكن السؤال المطروح أمام قيادة «بيركشاير» ومساهميها هو: هل يكتفون بكون الأمر «جيداً» فحسب؟

لطالما اتسمت التحليلات بنبرة تشكيك صريحة تجاه الذهب، وخطأت خلال موجة صعوده المذهلة عامي 2024 و2025، وعندما سجل السعر مستويات قياسية في يناير الماضي ظلت الشكوك قائمة بكونه محركاً بموجة مضاربة مفرطة.

وبدا هذا الموقف صائباً في الربع الثاني؛ إذ عجز المعدن عن تحقيق أداء قوي كونه ملاذاً آمناً رغم تزامن الأزمات وارتفاع التضخم، ما كشف عن المبالغة في تقييمه حتى قبل اندلاع الحرب الإيرانية.

بيد أن أداء الذهب في الربع الثالث جاء أفضل، مدعوماً بانتعاش تجارة «تخفيض قيمة العملة» (debasement trade) على خلفية البداية المضطربة لرئيس الفيدرالي كيفن وارش وتدخلات سكوت بيسينت في الصرف والعوائد.

يضاف إلى ذلك تجدد طلب البنوك المركزية؛ ورغم انخفاض مشترياتها المعلنة بنسبة 20% حتى يوليو وفقاً لمجلس الذهب العالمي فإن عمليات الشراء الرسمية غالباً ما تتم بعيداً عن التقارير المعلنة.

ومن التوجهات البارزة اتجاه البنوك المركزية لنقل احتياطياتها وإعادتها لبلدانها (Repatriation)، إذ خفض البنك المركزي الهولندي حصة ذهبه المودع بالولايات المتحدة بنحو 13 نقطة مئوية «استعداداً للأزمات».

موضحاً أن الذهب المودع لدى بنك إنجلترا أكثر سهولة ومرونة للتداول عالمياً وفي حالات الأزمات، مقارنة باحتياطيات نيويورك وأوتاوا، التي لا يمكن استخدامها بالسرعة والمباشرة نفسيهما.

ويرى جوني تيفيس من «يو بي إس» أن هذا الإجراء يعكس دور الذهب في توفير الحماية ليس فقط من الأزمات والتضخم، بل وأيضاً من السياسات غير المتوقعة للحكومة الأمريكية.

وفي هذا السياق، أشار المؤرخ نيكولاس مولدر إلى أن نقل البنوك الأوروبية ذهبها إلى نيويورك عامي 1939 و1940 تجنباً للمصادرة النازية يعطي انطباعاً واضحاً عن التحول العميق والتراجع الذي يشهده قوس الأمان والمظلة الهيمنية.

وفي ظل غياب بيانات دقيقة حول مشتريات القطاع الرسمي، تكشف سرعة ارتداد الأسعار وتعافيها من التصحيحات الحادة عن استغلال المشترين الرسميين الفرصة للحد من اعتمادهم على العملات الورقية عموماً، والدولار الأمريكي على وجه الخصوص.

في المقابل يسهل تتبع طلب القطاع الخاص؛ حيث يرى مايك هيغ وجيريمي سيليم من «سوسيتي جينيرال» أن الذهب دخل مرحلة جديدة من صعوده عام 2026، تستند إلى قناعة هيكلية بتراكم متزامن لمراكز الذهب الفيزيائي والمشتقات بين مختلف المستثمرين.

ويرتكز تحليلهما على قفزة تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة في أغسطس — وهي الثالثة حجماً منذ 2006 بعد أزمتين طاحنتين — ما يؤكد أن الذهب لم يكن يوماً مجرد تضخم أو انخفاض في قيمة العملة، بل كان دائماً يتعلق بـ«الخوف».