هيئة تحرير «فايننشيال تايمز»

إنه المجمّع الصناعي الأضخم في أفريقيا منذ جيل كامل، لكن أصبح بوسع النيجيريين، اليوم، امتلاك حصة صغيرة في مصفاة «دانجوتي» بثمن يماثل سعر مشروب غازي.

ويأمل أليكو دانجوتي، أثرى رجل في القارة الأفريقية، بمشاركة ما يصل إلى 10 ملايين شخص عبر شراء 10 أسهم على الأقل بسعر 525 نايرا (0.40 دولار) للسهم الواحد.

وهو مبلغ يُفترض أن يكون في متناول جميع النيجيريين باستثناء الفئات الأكثر فقراً، وسيجني الطرح العام الأولي 1.6 مليار دولار، لتقدر قيمة المصفاة الضخمة، التي استغرق بناؤها عقداً من الزمان على أراضٍ «مستنقعات» خارج لاغوس، بنحو 50 مليار دولار، وهو تقييم يبدو سخياً.

ويمثل الطرح العام الأولي، وهو الأكبر على الإطلاق في أفريقيا، والمشروع نفسه، الذي يعد أكبر مصفاة ذات خط تكرير فردي واحد في العالم بطاقة 700 ألف برميل يومياً، محطتين فارقتين بالنسبة لنيجيريا والقارة بأكملها، فقد أنهت المصفاة عقوداً ستة كانت نيجيريا خلالها، وهي غالباً أكبر منتج للنفط في أفريقيا، تصدّر كميات ضخمة من النفط الخام لتستورد البنزين والديزل ووقود الطائرات.

ولم يقتصر الأمر في ذلك على إهدار مبالغ هائلة من النقد الأجنبي، بل أوجد أيضاً اقتصاداً ريعياً، طغت فيه المضاربة والاستغلال السعري على الإنتاج الحقيقي، كما تمنح المصفاة والمجمع الصناعي الأوسع التابع لـ«دانجوتي» نيجيريا اكتفاء ذاتياً، من الناحية النظرية، في الأسمدة والبولي بروبيلين.

ومن حسن الحظ أن المصفاة بلغت طاقتها التشغيلية القصوى بالتزامن مع اندلاع توترات الشرق الأوسط. ونادراً ما شهدت نيجيريا شحاً في البنزين، فيما زود «دانجوتي» دولاً أخرى بالديزل ووقود الطائرات إلى درجة أن مصفاته يُنسب إليها الفضل في لعب دور جوهري في إبقاء شركات الطيران الأوروبية تحلق في الجو، ومع اتساع هوامش التكرير، حققت المصفاة أرباحاً استثنائية، إلا أن الطرح لا يخلو من المخاطر؛ إذ يبدو تقييم أصل تكلف بناؤه 20 مليار دولار بنحو 50 مليار دولار تقييماً مرتفعاً للغاية.

فهو يمثل علاوة سعرية بنحو 10 % فوق سعر الطرح الخاص البالغ 2.5 مليار دولار في يوليو الماضي، ما يعني أن مستثمري التجزئة من العموم سيدفعون سعراً أعلى من نادي كبار المستثمرين والمطلعين الذين حظوا بأولوية الاكتتاب.

كما أن ضآلة نسبة الأسهم الحرة المتاحة للتداول، والتي لا تتجاوز 3.3 % فقط تعني أن السيولة ستكون محدودة، غير أن مشروع «دانجوتي» يدفع بأن المستثمرين يراهنون على خطط توسعية يُفترض أن تضاعف الطاقة الإنتاجية لتصل إلى 1.4 مليون برميل يومياً بحلول عامي 2028 - 2029.

وإذا كان هذا الطرح سيمثل لنيجيريا نقطة تحول شبيهة بحملة «أخبروا سيد» (Tell Sid) الشهيرة، على غرار الحملة الإعلانية، التي أُطلقت عام 1986 لخصخصة أسهم الشركات.

والتي أعطت دفعة قوية لـ«الرأسمالية الشعبية» في بريطانيا، فإن المستثمرين العاديين بحاجة لأن يحققوا الاستفادة الفعلية، وسيكون من المؤسف أن يشتروا أصلاً مسعراً يستند إلى الأرباح الاستثنائية الراهنة، ثم يشهدوا تراجع قيمته لاحقاً.

المنطق المعلن لـ«دانجوتي» هو ضرورة توظيف رأس المال الأفريقي لتمويل البنية التحتية الأفريقية، وهو منطق سديد، فهناك ما يصل إلى 4 تريليونات دولار من الأصول المالية في أفريقيا، لكن الجزء الأكبر منها لا يُستغل كرأس مال مخاطر في استثمارات إنتاجية، بل يُعاد تدوير معظمها في الديون الحكومية ذات العوائد المرتفعة.

ويُعد تعميق أسواق المال خطوة حاسمة لنقل جانب من هذه الأموال إلى أوجه استخدام أفضل، وينبغي لنيجيريا السعي بجدية لتحويل لاغوس إلى مركز مالي ذي شأن، وهناك ما هو أبعد من ذلك على المحك، ففي جميع أنحاء أفريقيا يتردد حديث طموح حول إنهاء تصدير المواد الخام، من الكوبالت إلى الكاكاو.

عبر معالجتها وتصنيعها محلياً، لكنه يظل في معظمه مجرد كلام؛ فينما يتم اتخاذ خطوات فعلية، غالباً ما يتم تجاهل الواقع الأليم المتمثل في الموانئ والطرق المتردية، والكهرباء الباهظة التكلفة أو المعدومة أساساً.

ونجاح مشروع «دانجوتي»، الذي ظن الكثيرون أنه مستحيل ليس مجرد شهادة على إصرار وعناد محمود، بل هو أيضاً درس تحذيري، فقد كان سبباً في بناء بنية تحتية داعمة حول المشروع من الصفر ليرى النور.

ويتوفر له النجاح، وحتى بعد اكتمال المشروع عمل أصحاب المصالح النافذة، بما في ذلك الشركات الحكومية، على عرقلة حصوله في البداية على النفط الخام اللازم لاستمرار تشغيله.

أفريقيا تحتاج لنجاح المزيد من شركات القطاع الخاص، غير أن السياسات الحكومية في مختلف أنحاء القارة، بدءاً من الإهمال الصارخ للبنية التحتية العامة، وصولاً إلى الابتزاز الضريبي لرجال الأعمال الناجحين.

تجعل من شبه المستحيل على هذه الشركات التوسع والوصول إلى الحجم المطلوب، وإذا كان البعض يتباهى اليوم بأن «دانجوتي» يثبت إمكانية تحقيق الأرباح عبر الاستثمار في أفريقيا، فإن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً؛ إذ قد تكون مصفاته مجرد الاستثناء، الذي يثبت القاعدة.