جينيفر هيوز

هل مللت من ظاهرة ممنوع البناء هنا والمعروفة بـ«نيمبي»؟ لدى أستراليا بديل لها أكثر حدة يعرف بـ«بنانا»؛ وهو مصطلح صاغه سياسي محبط لاختصار عبارة: «لا تبنِ أي شيء مطلقاً بالقرب من أي مكان». 

وعلى غرار مناطق عدة حول العالم تواجه «القارة الأسترالية» اعتراضات متزايدة ضد طموحات مطوري مراكز البيانات، ويمثل هذا التصدي خسارة حقيقية، لأن الذكاء الاصطناعي قد يمنح أستراليا أخيراً وسيلة مجدية لتصدير طاقتها الخضراء الوفيرة.

أما على صعيد قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي الحالية فتتمركز أستراليا في مرتبة متوسطة بقدرة تشغيلية لا تتجاوز 1.4 جيجاوات، لتتخلف بفارق ضئيل عن منطقة دالاس-فورت وورث الأمريكية، وبفارق كبير عن المراكز الرائدة مثل شمال فرجينيا، التي تسجل 4.5 جيجاوات، غير أن المطورين يتزاحمون للاستفادة من المزايا الفريدة، التي تتيحها هذه القارة.

وفي هذا السياق أبرمت شركة «أنثروبيك» هذا الأسبوع الاتفاقية الأولى لها لحجز مساحة في مركز بيانات داخل البلاد، لتشكل الركيزة الأساسية لمشروع ضخم بقيمة 30 مليار دولار أسترالي (21 مليار دولار أمريكي) قرب بريزبان.

وفي ولاية نيوساوث ويلز، الأكثر ملاءمة وسكاناً، تجري محادثات متقدمة لمشاريع تستهدف قدرة استيعابية، تصل إلى 13 جيجاوات، وهو ما يتجاوز الطلب اليومي الحالي للولاية بأكملها.

ويتوقع مشغل الشبكة الوطنية أن تسجل مراكز البيانات 12 % من إجمالي إمدادات الكهرباء في البلاد بحلول عام 2050، مقارنة بنسبة 2 % فقط في الوقت الراهن.

بطبيعة الحال يظل هذا السيناريو مشروطاً بتنفيذ هذه المشاريع على أرض الواقع، فالترويج لحلم مراكز البيانات أمام الناخبين المشككين أثبت صعوبته عالمياً، فبعيداً عن حجة «الأصول الاستراتيجية» لا تبدو الجدوى الاقتصادية المباشرة مبهرة بالنسبة للمجتمعات المحلية، نظراً لأن القيمة الأكبر تعود على مزودي الرقائق والبرامج وممتلكي حقوق الملكية الفكرية، أي للشركات الأمريكية في نهاية المطاف.

رغم ذلك يعد تطوير مراكز البيانات بالنسبة لأستراليا، إلى جانب تأمين الطاقة اللازمة لتشغيلها، وهو الشرط الذي تفرضه الحكومة في كانبرا للموافقة على المواقع الجديدة، وسيلة فعالة للتعويض عن تباطؤ الاقتصاد الاستهلاكي، وطبقاً لتقديرات «بنك الكومنولث الأسترالي» تتطلب خطط مراكز البيانات استثمارات تتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2030.

فضلاً عن ذلك تمتلك البلاد مساحات شاسعة شبه لا متناهية لتوليد الكهرباء المتجددة، فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 حول قدرات الطاقة الخضراء في دول مجموعة العشرين أن احتياجات أستراليا بحلول عام 2050 لن تستهلك سوى أقل من 1 % من إمكاناتها المتاحة في الطاقة الشمسية أو الرياح.

وتصنف طاقتها المتجددة بين الأرخص عالمياً، إذ تصل تكلفة الطاقة الشمسية فيها إلى 40 دولاراً لكل ميجاوات/ساعة، ما يعادل التكلفة في السعودية بحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وأرخص بنسبة 35 % مقارنة بالولايات المتحدة.

ولقد حاولت أستراليا سابقاً استغلال مواردها الطبيعية بأساليب أكثر ملاءمة للمناخ.

وظل الحديث يتكرر حول إمكانية نقل الكهرباء المتجددة عبر الهيدروجين إلى عملاء الغاز الطبيعي المسال، إلا أن المعادلة الاقتصادية لم تكن مجدية حتى الآن، غير أن تغذية مراكز البيانات بالطاقة المتجددة، ثم بيع قدرات الحوسبة إلى بقية العالم يمثل استغلالاً مثالياً لهذه الثروة الطبيعية.

قد لا يصلح هذا النموذج للعمليات التي تتطلب استجابة فائقة السرعة مثل السيارات ذاتية القيادة، لكنه مناسب تماماً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة، وهي مهمة تجتذب حالياً استثمارات بمئات المليارات من الدولارات.

وتخوض أستراليا حالياً جهوداً مكثفة ومكلفة للتحول من الفحم إلى مصادر الطاقة المتجددة، لذا فإن استغلال طفرة الذكاء الاصطناعي لتوزيع هذا العبء المالي هو خيار منطقي وبعيد كل البعد عن العبث.