بن جوداه- زميل زائر في مؤسسة «تشاثام هاوس» ومستشار خاص سابق لحزب العمال



نقف اليوم على أعتاب ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية؛ وهو المستوى الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ باعتباره حرجاً لما قد يطلقه من «نقاط تحول» خطيرة في النظام المناخي.

ومع ذلك، وبطريقة تدعو للمفارقة، فإن إحدى أكثر نقاط التحول إثارة للقلق، والتي تظل المملكة المتحدة الأقل استعداداً لمواجهتها، ترتبط بانخفاض درجات الحرارة في جزء من المحيط الأطلسي الشمالي.

وأظهرت سلسلة من الدراسات العلمية أن «دورة الانقلاب الحراري المائي في المحيط الأطلسي» المعروفة اختصاراً بـ«أموك» AMOC، والتي تنقل كميات هائلة من المياه الدافئة من المناطق الاستوائية إلى الأقاليم الشمالية لتجعلها أكثر ملاءمة للعيش مقارنة بموقعها الجغرافي، بدأت تضعف بوضوح.

ويرى عدد متزايد من العلماء اليوم أن هذا النظام البحري ينطوي على خطر الانهيار إذا ما استمر الاحترار الحالي جراء تصاعد الانبعاثات.

وتبدو بريطانيا مكشوفة بوجه خاص أمام هذا الخطر؛ إذ تشير البيانات العلمية إلى أن انهيار تيار «أموك» قد يقلص متوسط درجات الحرارة الشتوية في لندن إلى نحو درجتين مئويتين، مع موجات صقيع استثنائية تصل إلى 20 درجة تحت الصفر مرة كل عقد.

وعلى مستوى البلاد، قد يؤدي الجفاف الحاد الناجم عن ذلك إلى تقلص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة من 32 إلى 7 % فقط.

ولا تقف هذه التداعيات عند حدود بريطانيا وشمال أوروبا، بل يمكن أن تمتد آثارها المناخية إلى أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط.

إذ يؤدي التبريد النسبي لنصف الكرة الشمالي الناجم عن ضعف «أموك» إلى تحرك «حزام التقارب بين المدارين» (ITCZ) جنوباً، بما يغير أنماط الأمطار الموسمية في المناطق المدارية وشمال أفريقيا.

وتشير النماذج المناخية إلى أن ضعف «أموك» يمكن أن يؤدي إلى تراجع الأمطار في أجزاء من شمال أفريقيا، وفي أنظمة الرياح الموسمية والأمطار في شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مع تداعيات محتملة على موارد المياه في المناطق التي تعتمد على هذه الأمطار.

وفيما تواصل بريطانيا السعي للوصول إلى «الحياد الكربوني» والالتزام بهدف حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإنفاق 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 للوقاية من مخاطر المواجهة مع روسيا، فإن هذا الخطر طويل الأجل يتطلب اهتماماً دبلوماسياً عاجلاً؛ لأن تداعياته أكبر من أن تتجاهلها دول حوض شمال الأطلسي.

وتكشف نظرة على الأبحاث الموجودة حالياً أنها ما زالت متفرقة ومتناقضة في كثير من الأحيان، ولا يوجد مركز أبحاث مرجعي موحد يشكل «المعيار الذهبي» لقيادة هذا النقاش.

إننا بحاجة إلى ما هو أبعد من المنظومات الحالية؛ بحاجة إلى تحالف علمي ينهض بالتحليلات والقياسات الشاملة لفهم الظاهرة وتزويد الحكومات بنظام إنذار مبكر.

ولافتقار هذه القضية إلى راعٍ سياسي يتبناها، فإنها تشكل فرصة سانحة لوزير الخارجية إد ميليباند لعرض دبلوماسية مناخية فاعلة.

وهناك فرصة دبلوماسية سانحة يجدر ببريطانيا اقتناصها، خصوصاً أن القلق لم يعد مقتصراً على علماء المناخ بل امتد إلى الحكومات نفسها.

ففي عام 2025، صنف مجلس الأمن القومي الأيسلندي احتمال انهيار تيار «أموك» باعتباره خطراً على الأمن القومي.

في غضون ذلك، طالب خبراء في النرويج بالخطوة نفسها، بينما حث أكاديميون في الدنمارك على إدراج تيار «أموك» بشكل أدق ضمن تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي (IPCC)، ونشر مجلس دول الشمال تقريراً رسمياً حول مخاطر الانهيار.

وينبغي للمملكة المتحدة الدعوة لتشكيل تحالف من دول شمال الأطلسي المعنية لإنشاء «مرصد لتيار أموك»، مزود بنظام إنذار مبكر ليكون المرجع العالمي الأول في هذا المجال.

ووجود هيئة مرجعية محايدة ومحترمة تزود الدول بالبيانات الدورية سيفعل لتيار «أموك» ما تفعله شبكات رصد الأمراض بالنسبة للأوبئة.

فنظام منظمة الصحة العالمية لترصد الإنفلونزا والتصدي لها، القائم منذ عام 1952، ينبه الحكومات للسلالات الفيروسية الخطيرة قبل تفشيها.

ويمكن لمرصد «أموك» أداء وظيفة مماثلة لرصد مخاطر نقاط التحول، ودعم مبررات التحرك الفوري.

ويضم هذا التحالف المحتمل كلاً من أيسلندا، والدنمارك (بما في ذلك حكومة جرينلاند ذاتية الحكم)، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وأيرلندا، وهولندا، وكندا.

ولن يبدأ إنشاء هذا المرصد من الصفر؛ إذ تستثمر المملكة المتحدة بالفعل 80 مليون جنيه استرليني لتطوير أساليب الإنذار المبكر وابتكار تقنيات حديثة، مثل شبكات أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة للبحار والجليد، والروبوتات، والطائرات المسيرة لجمع البيانات، لمراقبة نقاط التحول عبر برنامج «التنبؤ بنقاط التحول» التابع لوكالة «أريا» (Aria).

وتتمتع مراكز التميز مثل جامعة إكستر بريادة عالمية عريقة في مجال النمذجة المناخية، حيث تعمل عن قرب مع شركاء علميين وأكاديميين في دول الشمال.

ومن شأن المرصد الجديد دمج هذه المشاريع القائمة، وهو ما يمكن تحقيقه عبر تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة دون كلفة إضافية كبيرة، خصوصاً في ظل اتجاه وزارة الخارجية لتقليص الميزانيات.

ولنتخيل معاً وزير الخارجية وهو يجمع نظراءه من دول شمال الأطلسي في لندن لإطلاق هذا المرصد، فبعد صيف شهد موجات حرارة غير مسبوقة، وفي ظل اتجاه قطاع من ناخبي حزب العمال نحو حزب الخضر، ستمنح هذه الخطوة الحكومة فرصة لتجديد الدفاع عن خطة «الحياد الكربوني» في وجه هجمات الرئيس دونالد ترامب واليمين المشكك في التغير المناخي.

وحينها، لن يكون تحرك الحكومة البريطانية مجرد استجابة لارتفاع هلامي في درجات الحرارة العالمية، بل لتفادي نقطة تحول تهدد بجعل الحياة في بريطانيا أكثر برودة وجفافاً وقسوة.