تيم هارفورد
في ثمانينيات القرن الماضي، لفت انتباه عالم النفس فيليب تيتلوك أن محللي الجيوسياسة البارزين والمحترمين يختلفون اختلافاً جذرياً حول مسار الحرب الباردة والمستقبل الذي سيتشكل بعدها.
كان الأمر مثيراً للدهشة؛ إذ كيف لخبراء أن تتضارب آراؤهم إلى هذا الحد حول قضايا بهذه الأهمية؟ وما الذي نعنيه بحق عندما نطلق عليهم لقب «خبير»؟
تمثل رد فعل تيتلوك في جمع التوقعات الاقتصادية والسياسية القابلة للتحقق من شريحة واسعة من الخبراء، ثم الانتظار بصبر لمعرفة أي منها سيتحقق.
وتوجت هذه التجربة بصدور كتابه عام 2005 بعنوان: «التقدير السياسي للخبراء: ما مدى جودته؟ وكيف لنا أن نعرف؟». وكانت المفاجأة أن دقة هؤلاء المختصين لم تتجاوز كفاءة الشمبانزي الذي يلقي السهام عشوائياً.
شكل كتاب تيتلوك ضربة موجعة للسمعة الهشة للمتنبئين في كل مكان، لكنه شخصياً لم يفقد الأمل في إمكانية الوصول إلى توقعات أفضل.
وفي كتابه «التنبؤ الفائق» (2015)، المنشور بالاشتراك مع دان جاردنر، سلط الضوء على نخبة مختارة من المتوقعين الموهوبين، مستعرضاً السمات والعادات التي جعلتهم أكثر كفاءة. وبلفتة غير معتادة منه تنطوي على شحنة من المبالغة، أطلق تيتلوك عليهم اسم «المتوقعين الفائقين».
ومن هنا، كان التطور الأخير متوقعاً للغاية؛ إذ إن الفكرة تطرح نفسها بالفعل، لماذا لا نقارن هذه التنبؤات المنشورة والقابلة للاختبار بالتي تولدها النماذج اللغوية الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى؟ على سبيل المثال: هل تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي على الأسواق في التنبؤ بقرارات أسعار الفائدة؟
إلا أن مطالبة الكمبيوتر بإصدار تنبؤات حول الصورة الكلية لا تهدف فقط لاختبار قدراته على التنبؤ، بل تعد أيضاً، على غرار برنامج تيتلوك البحثي في أواخر الثمانينيات، محاولة للتخلص من الادعاءات الزائفة واختبار المهارة الحقيقية.
فالخبراء ونماذج اللغات الكبيرة يتشاركون القدرة على تقديم مبررات يبدو ظاهرها منطقياً. وكما يوضح عنوان كتاب تيتلوك الصادر عام 2005، فإن المسألة لم تكن تتعلق بالتنبؤ بقدر ما كانت تتعلق بـ «التقدير والتحليل». وتظل إحدى الطرق لتقييم قدرة نظام الذكاء الاصطناعي هي طرح سؤال لا يملك أحد إجابته حتى الآن.
وتأتي إحدى المحاولات البارزة في هذا التقييم عبر منصة «فوركاست بينش»، وهو مشروع تابع لمعهد أبحاث التنبؤ برئاسة فيليب تيتلوك نفسه.
وتظهر نتائج المنصة أداءً لافتاً ومستمر التطور؛ حيث يسجل المتوقع الفائق 68.9 نقطة على مؤشر «فوركاست بينش» لدقة التنبؤ. وفي وقت كتابة هذه السطور، يحقق أفضل المتوقعين الاصطناعيين المتخصصين 68.8 نقطة، في حين يبلغ متوسط توقعات البشر العاديين 62.8 نقطة، وتسجل نماذج اللغات الكبيرة العادية دون ضبط خاص أكثر من 61 نقطة.
وقد لا يدعو للاندهاش أن نموذج اللغات الكبيرة العادي يتخلف بفارق ضئيل جداً عن البشر في التنبؤ بأحداث مثل: «هل سيتم إجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا قبل وقف إطلاق النار مع روسيا؟»؛ فكلا الطرفين في هذه الحالة، البشر والحواسيب، أقرب بكثير إلى الشمبانزي التي تلقي السهام عشوائياً منهما إلى التوقع.
إلا أن حقيقة أن المتنبئين الاصطناعيين المختصين لا يختلفون تقريباً في الوقت الحالي عن المتنبئين الفائقين المرموقين، ما يعد أمراً أكثر إبهاراً بكثير، وإن كان ينطوي على قائمة طويلة من المحاذير.
إن التنبؤات لا تكتفي بوصف المستقبل فحسب، بل غالباً ما تكون محاولة لصياغته وتشكيله. وإن مجرد احتمال وجود تنبؤات حاسوبية شديدة الدقة، تعتمد على أنظمة تحكمها كبرى الشركات العالمية، لا يبعث على الاطمئنان التام.
وفي هذا السياق، تقول كاريسا فيليز، مؤلفة كتاب «النبوءة: التنبؤ والسلطة والصراع على المستقبل، من العرافين القدامى إلى الذكاء الاصطناعي»: «إن الطريقة الوحيدة للتأكد من المكان الذي سيكون فيه شخص ما غداً، هي إرغامه على التواجد فيه».
لكن حتى لو ثبت أن أنظمة التنبؤ بالذكاء الاصطناعي نزيهة ودقيقة، يظل هناك عنصر حيوي مفقود؛ فالتنبؤات لا تستمد قيمتها فقط من نتائجها النهائية، أي الرقم الذي يحدد احتمال حدوث حدث مستقبلي، بل من منهجية العملية ذاتها.
ويمكننا عقد مقارنة هنا مع استخدام نموذج لغوي كبير لكتابة مقال؛ فبغض النظر عن مدى جودة النص الناتج، فإن الشخص الذي كتب التوجيه وضغط على زر التشغيل قد فاتته تجربة التفكير العميق وصياغة الأفكار وإعادة تحريرها.
وينطبق الأمر نفسه على التنبؤ؛ فعمليات التخطيط القائمة على بناء السيناريوهات تكمن أهميتها ليس فقط في تقديم رؤى ملهمة حول المستقبل المحتمل، بل في كونها تجمع الخبراء وصناع القرار معاً للتفكير في غير المتوقع وفق إطار منهجية منظمة.
وقد وجد تيتلوك نفسه، بالتعاون مع الباحثين باربرا ميلرز وهال أركيس، أن المشاركة في مسابقات التنبؤ تسهم في تقليل الاستقطاب السياسي؛ ويعود ذلك في الغالب إلى أن التنبؤ الجيد يتطلب ذهناً منفتحاً، وقدرة على رؤية العالم بعيون الآخرين، واستعداداً تاماً للاعتراف بالخطأ.
إن التنبؤ القائم على النية الصادقة والبحث الحثيث ممارسة تجعل من البشر كائنات أفضل؛ لذا يجدر بنا التفكير ملياً قبل تسليم هذه المهمة بالكامل للآلات.