روبن هاردينج

تخيل أنك تترأس لجنة الائتمان في أحد البنوك، وعرضت عليك ثلاثة طلبات اقتراض، فأي من المقترضين التاليين تفضل أن تمنحه الائتمان؟

القرض الأول لرائد أعمال ناجح يبدو أنه ضل الطريق؛ إذ يندفع في إنفاق جامح على الحفلات والمخدرات، ويحتاج إلى المزيد من السيولة طوال الوقت للاستمرار في نمط حياته هذا.

والمقترض الثاني رجل أعمال طاعن في السن لكنه مرموق، يرزح تحت ديون متراكمة، ولديه خطط إنفاق باذخة، غير أنه يمتلك أصولاً ضخمة وسمعة جيدة في العمل الجاد، والمطروح هنا ما هو مصدر دخله المستقبلي.

أما القرض الثالث فلأحد الأرستقراطيين المقيمين في قصر فاره وخلاب. ديونه القائمة ثقيلة، والتزاماته باهظة تتوزع بين الرسوم المدرسية واقتناء الخيول وتكاليف إصلاح السقف. القصر يبدو جميلاً من الخارج، غير أن غرفه خاوية من الداخل، وآفاق كسبه لمزيد من الدخل تبدو موضع شك.

يمثل هؤلاء المقترضون الثلاثة الخيارات المطروحة أمام المستثمرين اليوم وهم يرقبون الوضع المالي الكئيب للاقتصادات المتقدمة حول العالم.

هناك الولايات المتحدة، المرشح الأول، التي تسجل عجزاً مالياً يناهض 6% من ناتجها المحلي الإجمالي دون سبب وجيه سوى القناعة السائدة بأن الضرائب سلوك «غير أمريكي»، ودون خطة يعتد بها، بل وبلا رغبة ظاهرة في معالجة هذا الوضع مستقبلاً.

ثم هناك اليابان، المرشح الثاني، التي تعاني ديناً عاماً ضخماً ومجتمعاً متسارع الشيخوخة. واتخذت قراراً غريباً بالاستمرار في إنفاق العجز حتى بعدما تجاوزت أزمتها مع الانكماش الاقتصادي. غير أن اليابان تظل غنية بالأصول، سواء على مستوى الحكومة أم الأفراد.

وأخيراً تأتي أوروبا، المرشح الثالث، حيث تضم قائمة كبار المدينين دولاً مثل فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة. وفي أوروبا، هناك اهتمام بلاغي على الأقل بضبط الديون والعجز، لكن العديد من بلدانها قدمت وعوداً بإنفاق سخي أصبحت اقتصاداتها عاجزة بشكل متزايد عن تحمله، مع انعدام الشجاعة السياسية تقريباً لمواجهة الناخبين بهذه الحقيقة المرة.

ومع ارتفاع عوائد السندات، حيث تجاوزت عوائد السندات لأجل 30 عاماً مستوى 4% في اليابان و5% في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تتزايد الضغوط المالية على كل الاقتصادات المثقلة بالديون.

وتشتكي كل دولة من مشكلاتها المالية الخاصة ومن السرف الذي يمارسه السياسيون المتسببون فيها. وتتشارك جميع هذه الدول في نقطة حاسمة هي الارتفاع الحاد في الدين العام منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، خصوصاً عقب جائحة كوفيد-19. ورغم هذا التشابه الظاهري، تختلف طبيعة التحدي المالي من دولة إلى أخرى اختلافاً جوهرياً، ويبدو بعضها أسهل حلاً بكثير من البعض الآخر.

على سبيل المثال، يبلغ صافي الدين العام في الولايات المتحدة نحو 99% من الناتج السنوي، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. ومن المتوقع أن يواصل هذا الرقم ارتفاعه السريع بفعل العجز المالي الكبير الذي لم يعالج بعد. لكن العجز الأمريكي هو خيار إرادي بالأساس؛ فقد اختارت واشنطن خفض الضرائب مراراً وتكراراً دون أن تقابل ذلك بخفض الإنفاق.

إلا أن الولايات المتحدة تتمتع بنمو اقتصادي قوي يجعل إدارة الدين أسهل بكثير، إذ يمكن زيادة الإيرادات دون الحاجة لرفع الضرائب، فضلاً عن الشهية العالمية الهائلة لاقتناء سندات الخزانة الأمريكية. وإذا ما استعاد النظام السياسي رشده، أي إذا استفاق المقترض من نوبة الإفراط والسرف، فإن مشكلاتها المالية قابلة للحل تماماً.

أما الدين العام الياباني، الذي ظل مرتفعاً لسنوات طويلة وكان ينظر إليه كحالة استثنائية عالمياً، فلم يعد يبتعد كثيراً، على أساس الصافي، عن مستويات الدول الغنية الأخرى، حيث يتوقع أن يسجل 134% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2026 وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي.

وتكمن الصعوبة الكبرى في المشكلة المالية اليابانية في الشيخوخة المتسارعة للسكان، ما يرفع تكاليف الرعاية الصحية وجرايات التقاعد سنوياً، في مقابل تقلص شريحة السكان في سن العمل القادرة على تحمل هذه الأعباء.

وتمتلك اليابان حالياً فرصة مواتية لمعالجة أوضاعها المالية. إذ تساهم عودة التضخم في تآكل القيمة الحقيقية للديون التي تراكمت عندما كانت أسعار الفائدة عند مستوى الصفر. ورغم أن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تبدو مصممة على إهدار هذه الفرصة عبر موجة إنفاق غير ضرورية، إلا أن هذا الإنفاق يظل إنفاقاً اختيارياً وليس مجرد إعانات اجتماعية.

وتكمن القوة العظمى لليابان في مكانتها كدولة دائنة رئيسية لبقية دول العالم؛ فالمواطنون يمتلكون مدخرات ضخمة وإن كانت حكومتهم مثقلة بالديون، وهي بالتالي لا تعتمد على إحسان الآخرين أو رحمة الأسواق الخارجية.

وهذا يتركنا مع أوروبا ودول مثل فرنسا، التي يبلغ صافي دينها 108% من الناتج السنوي وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر 2025، وإيطاليا بنسبة 128%، والمملكة المتحدة بنسبة تتجاوز 94% بقليل.

وتعاني جميع هذه الدول عجوزات مالية مستمرة عجزت عن السيطرة عليها منذ الجائحة. تضاف إلى ذلك معدلات نمو ضئيلة، وأعباء ضريبية مرتفعة، وتكبل غالبية هذه الدول بنظام رفاه اجتماعي مكلف يرفض مواطنوها التخلي عنه.

وتبدو المملكة المتحدة تحديداً قليلة الخيارات، لأنها تعاني عجزاً مستمراً في الحساب الجاري إلى جانب عجزها المالي، فضلاً عن تداعي قطاعها العام بعد خصخصة كل الأصول الممكنة تقريباً.

وتتجسد مشكلة أوروبا جوهرياً في جانب الإنفاق، وما لم يحدث انتعاش مفاجئ في معدلات النمو، فلن تحل هذه الأزمة إلا بإقناع الشعوب بأنها أكثر فقراً مما تعتقد، وهي مهمة لا يتمناها أي سياسي.

وتبدو الآفاق المالية قاتمة في العديد من البلدان، وللمرة الأولى منذ عقود، بدأت الأسواق تمارس ضغوطاً جادة في هذا الملف. لكن بعض هذه الأزمات يظل قابلاً للحل أكثر من غيره.

وكما يعلم كل مصرفي فمن «الأفضل لك أن تقرض مقترضاً يمتنع عن السداد رغم قدرته، على أن تقرض من يعجز عنه تماماً».