كاميلا كافينديش
لقد حلّ عصر «الاستعداد للأسوأ»؛ ففي السويد، يوجّه كتيب رسمي المواطنين نحو الاحتفاظ بماء وطعام يكفي لأسبوع على الأقل «في حالة وقوع أزمات للحروب». كما تم توزيع منشورات مماثلة على المواطنين في النرويج والدنمارك وفنلندا، ونشرت هذه التوجيهات على الإنترنت في المملكة المتحدة.
وحتى بمعزل عن التهديدات الروسية، فإن الهجمات السيبرانية وتقلبات الطقس القاسية تجعل هذه الاحتياطات شيئاً لا يخص فقط «المهووسين بالبقاء» ممن يكدسون الفاصوليا المعلبة والشريط اللاصق استعداداً لنهاية العالم. غير أنه في أوقات الأزمات تلك، تبرز أهمية التضامن الاجتماعي بصورة حاسمة؛ ومن ثم يتزايد القلق حين نرى الريبة والشكوك تتصاعد بين أفراد المجتمع.
وأصبحت نسبة كبيرة من الخطاب العام تصاغ في إطار «المعادلة الصفرية». أي الافتراض بأن مكسب طرف ما يستلزم بالضرورة خسارة طرف آخر. فمن الشائع اليوم تردد القول بأن المهاجرين ينتزعون وظائفنا، أو أن الأثرياء يزدادون ثراءً على حساب الآخرين، أو أن عمل المرأة يضر بفرص التوظيف المتاحة للرجال.
وأصبحنا جميعاً عالقين في لعبة «الكراسي الموسيقية»؛ حيث المقاعد محدودة للغاية وبعض اللاعبين محكوم عليهم بالخروج لا محالة. أما القناعة بقدرتنا على توسيع دائرة الفرص، أو بأن رواد الأعمال قادرون على نشر الرخاء، فقد بدأت تتوارى. والأكثر إثارة للقلق أن هناك أدلة تشير إلى أن هذا النمط من التفكير يورث تقويض الرغبة في التعاون البناء.
إن التفكير بمنطق «اللعبة الصفرية» ليس جديداً، لكنه يكتسب زخماً متزايداً، خصوصاً بين الشباب. إذ يظهر تحليل للكتب المنشورة باللغة الإنجليزية أن استخدام مصطلح «اللعبة الصفرية» قد قفز قفزة كبيرة منذ عام 1990، متجاوزاً بفارق شاسع الأوصاف المتعلقة بـ «اللعبة الإيجابية»، القائمة على الربح المتبادل.
ووجد الاقتصاديان ستيفاني ستانتشيفا وساحيل تشينوي أن أبناء «جيل الزد» و«الألفية» في أمريكا هم الأكثر ميلاً مقارنة بـ «جيل الخمسينيات والستينيات» لتصور العالم على أنه كعكة ثابتة الحجم لا يمكن توسيعها. ولا يقتصر هذا المنظور على الفقراء وحدهم؛ بل إن من يتقاضون 100 ألف دولار سنوياً يشعرون بالإجحاف، ويزداد هذا الشعور لدى حملة الدراسات العليا. وسجل سكان المدن الكبرى النسبة الأعلى في تبني التفكير بمنهجية «اللعبة الصفرية»؛ إذ انتخب زهران ممداني عمدة لنيويورك من قبل ناخبين يرون أنفسهم خاسرين في هذه المعادلة. في المقابل، يميل كبار السن إلى تبني عقلية أكثر اتساعاً وانفتاحاً، باستثناء دونالد ترامب، الذي تسببت رسومه الجمركية ذات البعد الصفري في إفقار المستهلكين الأمريكيين.
إن تعثر النمو الاقتصادي منذ أزمة عام 2008 والمخاوف الناجمة عن عالم يتسم بالهشاشة وعدم اليقين جعلت الشباب أكثر عرضة لرؤية الموارد كعنصر شحيح ومحدود. ويرجع الباحثون ذلك إلى التنافس المحتدم الحقيقي في أسواق العمل، والقبول الجامعي، وسوق الإسكان.
وتكشف الأدلة أيضاً أن القناعات المرتبطة بالحراك الاجتماعي قد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها. ففي تجربة حديثة أجرتها جامعة شيكاغو، وضع مجموعة من الشباب في سيناريو لشركة وهمية تمنح المكافآت لأصحاب التقييمات العالية فقط؛ فكان الافتراض التلقائي لدى الشباب أنه يتم تقييم الموظفين وفق نظام تصنيف تنافسي يفاضل بينهم، بدلاً من افتراض أن الفرصة متاحة للجميع لنيل تقييم عال إذا حققوا الأداء المطلوب.
إن هذه العقليات ليست مجرد طروحات غير عقلانية بالكامل؛ فالنظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية تم بناؤه على فكرة أن الاعتماد المتبادل سيعزز الفرص للجميع، وهو ما تحقق بالفعل لفترة من الزمن. إلا أنه مع نهاية القرن، لم تعد موجة العولمة ترفع جميع القوارب كما كانت تفعل.
فضلاً عن ذلك، أرهقت أنظمة المعاشات العقد الاجتماعي في الدول الغربية، حيث ألقيت أعباء دعم أعداد متزايدة من المتقاعدين على عاتق أعداد متناقصة من السكان في سن العمل. وفي المدن الكبرى، حيث رصدت جامعة هارفارد أعتى صور عقلية «اللعبة الصفرية»، تشكل قيود التنظيم العمراني والتخطيط عائقاً رئيسياً أمام معروض الإسكان. فالملاك القدامى يستخدمون مجالس البلديات لمنع بناء شقق جديدة مجاورة لهم لحماية قيمة منازلهم، ما يخلق «ندرة مصطنعة».
وإذا لم نتوخ الحذر، فنحن نتجه نحو مستقبل أكثر فقراً على الصعيدين الاقتصادي والثقافي على حد سواء. ففي دراسة شملت 37 دولة، تبين أن الأفراد الذين اتفقوا مع مقولة «إذا أصبح شخص ما أكثر ثراءً، فهذا يعني أن شخصاً آخر أصبح أكثر فقراً» كانوا أكثر سوداوية وتشككاً تجاه المؤسسات وأقل إقبالاً على العمل التطوعي. وهذا التوجه ينذر بالخطر بالنسبة للنسيج الاجتماعي. كما أنه يزيد بطريق غير مباشر من الضغوط المطالبة بتوسيع نطاق التدخل الحكومي. ووفقاً لـ ستانتشيفا وتشينوي، فإن تفكير التفكير الصفري يجمع بين مطالبات اليمين واليسار؛ عبر الدعوة لتقييد الهجرة وإعادة توزيع الثروة. إلا أن التوسع المستمر في سلطات الدولة لن يحل الأزمة، بل سيكرس نموذج إدارة التراجع بدلاً من صناعة النمو.
فكيف ننتقل إذن من سجال «من يحصل على الحصة الأكبر من الكعكة» إلى نقاش «كيف نكبر حجم الكعكة نفسها»؟ من السهل على السياسيين الانغماس في سياسات التظلم وإذكاء المظلوميات بدلاً من بناء ثقة الناخبين في قدرتنا على الابتكار والنمو للخروج من هذه الأزمة. ويزداد هذا التحدي صعوبة في وقت تتراجع فيه الثقة بالسلطات وأرباب العمل، وتصل فيه القناعة بأن القادة يكذبون علينا إلى مستويات غير مسبوقة، وترى فيه أغلبيات ساحقة أن الأثرياء يستحوذون على أكثر من حصتهم العادلة، وفقاً لمؤشر «إيدلمان» للثقة.
الثقة تنبع من السياسات الفعالة والناجحة؛ إذ يمكننا بناء مجمع إسكان ميسور التكلفة يتسم بالجمال ولا يزعج الجيران، ويمكننا مواجهة التغير المناخي مع خلق فرص عمل جديدة في الوقت ذاته، والترحيب برواد الأعمال بدلاً من إجبارهم على الهجرة للخارج.
يشدد الكتيّب السويدي الخاص بالطوارئ على أن «علينا جميعاً مساعدة بعضنا البعض»، بينما الاقتراح البريطاني المماثل ينصح القارئ بـ «التحقق مما إذا كان مؤهلاً للتسجيل في سجل الخدمات ذات الأولوية». لا بأس بالطبع في تقديم مساعدة إضافية للفئات الأكثر هشاشة في زمن الأزمات، فقد كان ذلك حيوياً خلال الجائحة، لكنني لا أملك إلا الشعور بأن أحداً ما في السلطة قد يئس بالفعل من إمكانية أن يثق بعضنا ببعض.