ريف روزنر-أودين، ومارثا موير، وميشيل تشان، ولي هاريس
قد تحدث ثورة الذكاء الاصطناعي تحولاً عالمياً، لكن تكلفتها باهظة. إذ يتوقع استثمار 7 تريليونات دولار في مراكز البيانات بحلول 2030.
وهو مبلغ يكفي لإطعام سكان الصين لثلاث سنوات وأمام هذه المبالغ الفلكية، اضطر عمالقة التكنولوجيا للاقتراض لبناء البنية التحتية، ما وضع المقرضين أمام معادلات معقدة لتمويل وتأمين أصول جديدة كلياً.
ويرى قطاع التأمين أن هناك فرصة ذهبية ومخاطر، والتي تتمثل في المدايات الزمنية وحفظ القيمة. إذ يثور تساؤل حول مدى قدرة مراكز البيانات والرقائق على الاحتفاظ بقيمتها طوال فترة التمويل.
وقال كارلوس مينديز، الشريك المؤسس في شركة «كرايهيل كابيتال»، التي رفضت مراراً صفقات دين مضمونة بقيمة رقائق «الأمر أشبه بتمويل شراء جهاز فاكس، عشية اختراع البريد الإلكتروني».
وهناك أيضاً خطر الرفض الشعبي المتزايد لهذه المراكز، لاستهلاكها المفرط للمياه والكهرباء في وقت يحتدم فيه الجدل أصلاً حول الذكاء الاصطناعي.
وقال ويرى إريك كلار، شريك تمويل الديون في مكتب «وايت آند كيس» «طالما أن المطورين يحصلون على التراخيص المطلوبة، يمكنهم الاستمرار في الاقتراض.
لكن المعارضة المحلية أو إلغاء الترخيص قد يوقف المشروع في منتصف مرحلة التشييد». ما الذي سيحدث عندها؟
المطورون يتوقون للتأمين ضد كل شيء، بدءاً من الكوارث الطبيعية إلى تراجع الطلب على قدرات الحوسبة. وشركات التأمين تتحفظ تجاه تغطية بمليارات الدولارات، خشية وقوع مخاطر كارثية وللتركيز العالي للأصول في هذه المواقع العملاقة.
لكن هل ستحقق ثورة الذكاء الاصطناعي وعودها بالفعل؟ وقال لياقت أحمد، الكاتب الحائز جائزة بوليتزر ومؤلف كتاب عن فقاعة السكك الحديدية عام 1873 «الجميع قرروا فجأة العمل في السكك الحديدية» فانهار القطاع. وأضاف أن المشكلة تتلخص في أن «كل شركات التكنولوجيا تفعل الأمر نفسه تماماً» الآن.
ورغم أن ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، يعتبر كتاب لياقت أحمد مرجعاً رئيسياً لفهم اللحظة الراهنة، إلا أن مايكروسوفت أعلنت استثمار 175 مليار دولار في مراكز البيانات هذا العام.
ووحدها وقعت الشركات الأربع الكبرى في الحوسبة السحابية، أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا، عقود إيجار تتجاوز 1.5 تريليون دولار منذ بدء طفرة الذكاء الاصطناعي، متضمنة التزامات لم تدخل حيز التنفيذ بعد.
ويقدر ستين فان نيووربورج، الخبير الاقتصادي في كلية كولومبيا للأعمال، أن مشاريع الذكاء الاصطناعي ستشكل نحو 2.8% من الناتج الاقتصادي في السنوات المقبلة.
وهي حصة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي تتجاوز حتى تلك التي مثلتها السكك الحديدية في ذروتها خلال القرن التاسع عشر.
وقد كان الإيقاع المحموم عبر أسواق رأس المال مذهلاً. فمنذ أواخر العام الماضي، طرق عمالقة التكنولوجيا باب سوق ديون الشركات الأمريكية، البالغ حجمه 11.7 تريليون دولار، مراراً وتكراراً، لدرجة اضطرتهم للبدء في إصدار الديون بالعملات الأجنبية لتوسيع قاعدة المستثمرين.
وتتحدى متطلبات التمويل للذكاء الاصطناعي قدرات وول ستريت ومواردها. فقد تطلب الأمر تحالف 6 من عمالقة التمويل معاً لتوفير التمويل البالغ نصف تريليون دولار لشركة «نيفيديا» في أغسطس الماضي.
حيث انضمت «بلاك روك» إلى «بلاكستون» و«أبولو جلوبال» و«كي كيه آر» و«بروكفيلد» و«جولدمان ساكس».
وتسعى البنوك الكبرى التي استثمرت بكثافة في مراكز البيانات لإيجاد منافذ للتخلص من هذه المخاطر المركزية.
واختبرت بنوك مثل «جي بي مورجان تشيس» و«مورجان ستانلي» و«إس إم بي سي» استخدام هياكل تمويل جديدة تعتمد على «شركات ذات غرض خاص»، والتي تبقي المشاريع خارج الميزانيات العمومية لشركات التكنولوجيا وتنقل المخاطر إلى مستثمرين خارجيين.
لكن خلال هذا العام، بدأ اهتمام المستثمرين بشراء الديون المرتبطة بمراكز البيانات في التراجع. وسجلت دفاتر الاكتتاب في الصفقات الجديدة، وهو مقياس رئيسي للطلب، انكماشاً ملموساً.
فعندما باعت شركة «QTS» سندات بقيمة 4.6 مليارات دولار لتمويل مركز بياناتها في جورجيا خلال أبريل، جذبت طلبات اكتتاب بلغت ثلاثة أضعاف حجم الصفقة، حيث تسابق المستثمرون على عقدها طويل الأجل مع «مايكروسوفت».
لكن العديد من المستثمرين أغفلوا بنداً جوهرياً وهو أن مركز البيانات سيكون مطالباً بإيجاد مستأجرين جدد، بعد انتهاء عقد الإيجار الأساسي، للبقاء والاستمرار، في وقت ينظر فيه المستثمرون بشك إلى استدامة الطلب طويل الأجل على حوسبة الذكاء الاصطناعي.
وقال إدوين ويلتشيز، الرئيس المشارك لفريق المنتجات المورقة في «PGIM Credit»: «لا نعلم كم ستكون قيمة مركز البيانات هذا بعد 10 سنوات. استيقظ العالم على حقيقة قاسية.. وشعر المستثمرون أن الواقع مختلف عما ظنوه، فبدأوا في إعادة تسعير المخاطر».
نتيجة لذلك، أُصدرت ديون QTS الجديدة في أغسطس بعائد تجاوز 7.2%، وهو مستوى قريب من تكاليف الاقتراض للشركات ذات التصنيف المنخفض (الخردة)، مقارنة بـ5.7% فقط في إصدار السندات السابق في أبريل.
على نحو مماثل، تعتمد قروض مراكز البيانات على فرضية أن تكنولوجيا الرقائق متسارعة التطور لن تفقد قيمتها سريعاً.
إلا أن «نيفيديا» تطرح نسخاً جديدة ومطورة وأعلى سعراً من رقائقها سنوياً، ما قد يجعل السيليكون القديم متهالكاً تقنياً خلال سنوات. لهذا السبب، يطالب العديد من المقرضين الآن بسداد القروض بالكامل قبل انتهاء عقد الإيجار الأساسي.
في هذه الأثناء، بينما يخوض عمال البناء عبر أمريكا سباقاً مع الزمن لتشييد البنية التحتية لثورة الذكاء الاصطناعي، اصطدمت هذه الطفرة بتزايد احتجاجات المجتمعات المحلية.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» في مارس، يرفض 7 من كل 10 أمريكيين بناء مراكز بيانات في مناطقهم السكنية. وقد أدى هذا الرفض والدعاوى القضائية لإلغاء مشاريع ضخمة، مثل منشأة مدعومة من «بلاكستون» في فرجينيا، بينما فرضت سلطات محلية عديدة حظراً مؤقتاً على التوسع.
ويمتد القلق إلى المستثمرين؛ فقد واجه مجمع «أوراكل» بقدرة 1.4 جيجاوات في ميتشيجان صعوبات تمويلية أواخر العام الماضي بسبب تأخر التراخيص والرفض المحلي. ورغم حصول المشروع على دعم «بلاكستون» في أبريل، طالب المستثمرون بعلاوة مخاطر أعلى وحمايات ائتمانية إضافية.
وفي نيومكسيكو، فرضت هيئة المرافق بويسكونسن ضماناً بـ 7 مليارات دولار على أوراكل لتأمين الطاقة، ما دفع «ستاندرد آند بورز» لخفض تصنيف «أوراكل» الائتماني إلى (BBB-)، أي على بعد درجة واحدة فقط من درجة السندات عالية المخاطر (الخردة).
وهذا الحجم الهائل للمشاريع يختبر قدرات شركات التأمين وميزانياتها. وقال آكي حسين، الرئيس التنفيذي لشركة «هيسكوكس» للتأمين أن الشركة لم تقرر بعد ما إذا كانت ستوسع نشاطها في مراكز البيانات، لأنه «من السهل جداً القفز بكلتا القدمين ثم الندم لاحقاً».
ويهدد هذا الحذر التأميني بكبح طموحات عمالقة التكنولوجيا. وفضل مستثمرون كبار مثل «KKR» و«بلاكستون» التراجع عن قروض مراكز البيانات لعدم كفاية التأمين.
وأخيرا، يلوح في الأفق الخطر الأكبر، وهو أن تتحول مراكز البيانات ومحطات الطاقة المقامة لتغذيتها يوما ما إلى «أصول معطلة».
وحتى لو لم تلغَ المشاريع بشكل جماعي، فإن التحسينات في كفاءة الرقائق وتراجع الطلب قد يتباطأ معهما الزخم الاستثماري. وبحسب أندي ديفريس، الخبير في «كريديت سايتس»، فإن معروض الطاقة الحوسبية سيتجاوز الطلب بعد عام 2029، ما سيحدث تداعيات تتجاوز الفقاعة الحالية لتصل إلى الاقتصاد الحقيقي.