مارثا موير

يشبه جيمي بروك، الرئيس التنفيذي لشركة «كور ناتشورال ريسورسز»، ثاني أكبر منتج للفحم في الولايات المتحدة، دخول منجم الفحم بالزيارة الاعتيادية لمركز تسوق.

ويشرح ذلك قائلاً «حين تكون في الطابق الثالث من متجر تجاري وترغب في الهبوط للأول، قد تختار السلالم المتحركة أو المصعد؛ ونحن هنا سنستقل المصعد نحو الأسفل».

نقف عند مدخل منجم «إنلو فورك»، الذي يبعد نحو ساعة بالسيارة عن وسط مدينة بيتسبرج. وقبل الهبوط، نرتدي بدلات العمل الواقية وأحذية ذات أطراف فولاذية وخوذات صلبة، ناهيك عن تثبيت جهاز تنفس آلي طارئ على الخصر لضمان توفير الأكسجين حال اندلاع حريق أو تسرب أول أكسيد الكربون.

قد تبدو مقارنة النزول إلى عمق 800 قدم تحت الأرض برحلة تسوق أمراً مستغرباً، لكن هذا ما يرمي إليه بروك تماما، إذ يسعى لتقريب صورة هذه الصناعة التي يراها كثير من الأمريكيين مخيفة وتنتمي إلى حقبة غابرة، وجعلها أكثر ألفة.

تتوزع في ممرات المنجم ملصقات وطنية تبرز دور الفحم في تزويد البلاد بالطاقة. وتأتي هذه المشاهد في وقت انهوت فيه حصة الفحم في توليد الكهرباء بالسوق الأمريكية من 46 % عام 1950 إلى 17 % بحلول 2025، تحت ضغوط الجدوى الاقتصادية والمخاوف البيئية.

ورغم سعي الرئيس دونالد ترامب لإحياء القطاع، فإن إنعاش صناعة متراجعة لا يبدو يسيرا أمام البدائل الأكثر كفاءة وأقل تكلفة، ومع ذلك، يصر عمال المناجم على التمسك بمهنتهم التي يرون فيها شريان حياة.

نعبر الممرات لنصل إلى المصعد الرئيسي، ونهبط في الأعماق. وما إن تفتح الأبواب حتى تتبدى ساحة مظلمة تضيئها مصابيح بيضاء خافتة، فنستقل منها قطاراً صغيراً يعمل بالديزل ونخفض رؤوسنا في مقاعده المجهزة لنقل العمال.

نخوض في رحلة استغرقت 30 دقيقة عبر شبكة معقدة من الأنفاق المظلمة، لنصل في النهاية إلى قلب المنجم الذي يضخ نحو 9 ملايين طن من الفحم سنوياً. تعتمد عملية الاستخراج في «إنلو فورك» على نسخة من طريقة «الجدار الطويل» التقليدية، حيث يشق العمال ممرات متوازية داخل طبقات الفحم، مخلفين كتلة ضخمة مكشوفة في المنتصف.

وعلى امتداد هذه الكتلة، تقطع آلة مزودة بشفرات دوارة عملاقة أجزاءً ضخمة من الفحم، لتسقط فوراً على سير ناقل تسحبه سلاسل فولاذية ضخمة. ومن هناك، يسحق الفحم ويندفع بسرعة 700 قدم في الدقيقة تمهيداً لنقله وشحنه.

ولمتابعة عملية الاستخراج، نقف تحت دروع فولاذية عملاقة تشبه المظلات لتحمل سقف المنجم حتى تفرغ آلة القطع من عملها.

وما إن تنهي مهمتها حتى تتقدم الآلة والسير الناقل والهيكل الخلفي للدروع نحو الطبقة التالية، ليتداعى سقف الطبقة المستخرجة خلفها ويردم تلقائياً.

المشهد عبارة عن صخب عارم؛ أضواء وامضة، وأنابيب مهتزة، وهدير آلات لا يهدأ. كدت أواجه طنيناً دائماً في الأذن بعدما نسيت سدادات الأذن، لولا أن تداركني أحد العمال بزوج إضافي.

كانت التجربة مهيبة وآسرة، وتجسيداً حياً لما يمكن وصفه بـ«جمال الصناعة المهيب»، ما يفسر سبب تمسك بعض العمال بالعمل تحت الأرض وزهدهم في وظائف السطح.

يطمح بروك إلى جذب دماء جديدة من الشباب لهذه الصناعة، مؤكداً أن الخطاب المتشائم حول اندثار القطاع أخاف الأجيال الشابة: «لقد عانينا لتوظيف العمال بسبب هذه الصورة السلبية، وفقدنا جيلين كاملين من الاستقطاب والتدريب».

تستقبل الشركة سنوياً نحو 30 متدرباً مستجداً يُعرفون بـ«الخوذ الحمراء»، ورغم قسوة العمل، فإن الأجور المرتفعة تشكل حافزاً رئيسياً؛ إذ يصل متوسط الأجر السنوي لعامل المناجم في الشركة بولاية بنسلفانيا إلى نحو 104 آلاف دولار.

غير أن للمناجم وجهها المظلم أيضاً؛ فرغم تراجع معدلات الحوادث المميتة مقارنة بالقرن الماضي، شهد هذا العام وفاة ستة عمال في مناجم الفحم الأمريكية، اثنان منهم في مناجم «كور ناتشورال».

كما عادت معدلات الإصابة بداء «الرئة السوداء» الناجم عن استنشاق الغبار الفحمي إلى الارتفاع لأعلى مستوياتها منذ نصف قرن؛ إذ أظهرت الفحوص إصابة 32.5 % من العمال ذوي الخبرة الطويلة في منطقة أبالاشيا الوسطى خلال السنوات الخمس الماضية، وهي النسبة الأعلى منذ سبعينيات القرن الماضي.

بعد ثلاثة أيام من الزيارة، أصبت بنزلة برد وبدأت أعطس رذاذاً أسود؛ كان ذلك تذكيراً قاسيا بالحياة في الأنفاق، وإشارة كافية لحسم عدم انضمامي مستقبلا إلى فريق «الخوذ الحمراء».