آدم شو
في سلسلة الخيال العلمي Robot للمؤلف إيزاك أسيموف، يمتلئ المستقبل بآلات واعية ذات هيئة بشرية. لكن الذكاء الاصطناعي في عالمنا الواقعي يتخذ شكلاً مختلفاً. وكما هو الحال مع «هال»، نظام الذكاء الاصطناعي في فيلم ستانلي كوبريك 2001: A Space Odyssey، فإن نماذج اللغات الكبيرة لا تتخذ شكلاً مادياً.
وهناك أسباب تدفعنا إلى الرغبة في مستقبل يعج بالروبوتات على طريقة أسيموف. فالآلات تستطيع أن تحل محل الأعمال المجهدة بدنياً والخطيرة. ويمكن للروبوتات أن تطلق العنان للنمو في قطاعات ظلت راكدة في السابق. كما يمكن للأتمتة في العالم المادي أن تحرر الناس للعثور على مهام أكثر إثارة للاهتمام وذات معنى أكبر.
وكما حررت الثورة الزراعية قطاعات واسعة من البشرية من العمل الزراعي الشاق الذي يقسم الظهر، يمكن للأتمتة أن تحسن مستويات المعيشة. لكن مثل هذا المستقبل ليس حتمياً، خصوصاً بالنسبة للقطاعات التي تعتمد على العمالة البدنية الرخيصة.
وبعض أكبر التحديات أمام الأتمتة في العالم المادي سببها عوامل اقتصادية. ففي كثير من الصناعات، لا تبدو الروبوتات كثيفة رأس المال منطقية كثيراً من منظور التكلفة. فقد يكون بناء النماذج ومراكز البيانات التي تجعل المبرمجين أكثر إنتاجية مربحاً، بينما يكون بناء روبوتات لتنظيف الأرضيات أقل ربحية.
وفي العقود الأخيرة عززت تقنيات الأتمتة إنتاجية العاملين ذوي المهارات العالية إلى حد كبير. وقد أوضح دارون أسيموجلو، الاقتصادي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كيف اتسم النصف الثاني من القرن العشرين بـ«التغير التقني المنحاز للمهارات».
وفي تلك الحقبة، شهد الموظفون الأكثر تعليماً وتدريباً، مثل المصرفيين والاستشاريين، مكاسب هائلة في الإنتاجية والأجور بفضل التقنيات الجديدة. وبالمثل، شهد الأشخاص الذين يكتبون الأكواد اليوم نمواً هائلاً في الإنتاجية بسبب أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، إذ تشير أبحاث شركة أنثروبيك إلى أن Claude Code يحقق عوائد أكبر للمستخدمين ذوي الخبرة الأعلى.
ومن المؤكد أن زيادة كفاءة العمال ذوي المهارات ليست أمراً سيئاً. ولكن عندما يخصص المستثمرون رأس المال الشحيح، فإنهم يختارون التقنيات ذات العوائد الأعلى.
ولا ينبغي أن نفاجأ إذا استمر التغير التقني المنحاز للمهارات خلال العقود المقبلة، ولم يجد المستثمرون حوافز تذكر لأتمتة الوظائف التجارية التي تكون فيها تكاليف العمالة منخفضة. علاوة على ذلك، إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى موجة من «إزالة المهارات».
وتحولت توقعات وادي السيليكون بشأن ظهور «طبقة دنيا دائمة» إلى واقع، فقد يتراجع الاستثمار في التقنيات التي تعزز إنتاجية العمال غير المهرة بدرجة أكبر.
وبالطبع، يمكن للسياسات أن تمنع ذلك؛ فرفع الحد الأدنى للأجور، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي إلى مستويات أعلى من الأتمتة المادية. وقد توصلت دراسة أجريت عام 2026، بقيادة إريك برينجولفسون، أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، إلى أن ارتفاع الحد الأدنى القانوني للأجور بنسبة 10% ارتبط بزيادة قدرها 8% في اعتماد الروبوتات داخل المصانع.
وبالطبع، هناك مقايضات. فقد يؤدي رفع الحد الأدنى للأجور إلى ارتفاع البطالة، بمعنى أن بعض العمال الذين يرغبون في الحصول على وظيفة بأجر أقل لن يجدوا واحدة.
وقد تؤدي الحدود الدنيا الأعلى للأجور أيضاً إلى التضخم، لكن ذلك قد لا يمثل مشكلة إذا أثبتت طفرة الذكاء الاصطناعي أنها تؤدي إلى خفض التضخم. في جميع الأحوال، من شأن تحسين التأمين ضد البطالة أن يخفف وطأة فقدان الوظائف، وإن كان ذلك بتكلفة مالية.
كما يمكن للسياسة الصناعية بقيادة الدولة أن تعزز الروبوتات المتقدمة. فالدول الرائدة في هذه التقنيات غالباً ما حققت ذلك عقب استثمارات حكومية كبيرة.
ففي الصين، يتلقى مصنعو الروبوتات استثمارات وبيانات تدريب من الحكومة، في نهج متعمد يهدف إلى جذب الاستثمارات الخاصة إلى ما تعتبره البلاد أولوية استراتيجية. وتعتمد سنغافورة وكوريا الجنوبية، وهما من الدول التي تسجل أعلى مستويات استخدام الروبوتات قياساً إلى عدد العاملين.
وسيكون من الحكمة أن تحذو الولايات المتحدة حذوهما. ففي نهاية المطاف، بنت شركات التكنولوجيا الأمريكية الرائدة في مجال الابتكار في الروبوتات المتقدمة، مثل SpaceX وAnduril، أعمالها اعتماداً على العقود والمنح الحكومية.
على سبيل المثال، استفادت شركة «تسلا» من قرض بقيمة 465 مليون دولار من مكتب برامج القروض التابع لوزارة الطاقة الأمريكية في عام 2010 لتطوير الروبوت من طراز Model S.
ويمكن للسياسات المستقبلية، بدءاً من الإعفاءات الضريبية على الاستثمار وبرامج القروض، وصولاً إلى تمويل البحث والتطوير العلمي، أن تسرع الابتكار الأمريكي في تقنيات أتمتة العالم المادي.
وينبغي لواشنطن أن تتحرك في وقت يسيطر فيه قلق واسع النطاق بشأن الذكاء الاصطناعي على الحزبين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة. وقد تحظى التقنيات التي تحرر العمالة البشرية للقيام بأعمال أكثر معنى، بدلاً من أن تحل محل الوظائف الأكثر استحساناً، بشعبية لدى الحزبين.
وقد تكون هناك آثار إيجابية خارجية عدة؛ فارتفاع مستوى الأتمتة في القطاعات المادية، مثل البناء، يمكن أن يعزز المعروض من المساكن ويخفض التكاليف، على سبيل المثال. وفي نهاية المطاف، سيكون تحقيق التوازن بين فوائد أتمتة العالم المادي وأولويات مثل النمو قراراً يعود إلى الناخبين.