ليتسي لي

في المؤتمر العالمي الأخير للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، قدّم الرئيس الصيني شي جين بينغ الصين باعتبارها رائدة في الذكاء الاصطناعي منخفض التكلفة مفتوح المصدر. وطرح هذا النهج بوصفه منفعة عامة للعالم في مواجهة البديل الأمريكي.

وبنت الصين منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة، تتمتع بالاكتفاء الذاتي، يعزز كل جزء منها الأجزاء الأخرى، وتعرضها على الخارج بشكل متزايد. كمل يتزايد أيضاً النفوذ الجيوسياسي لبكين في مجال البنية التحتية الحيوية. والدول التي تتبنى الذكاء الاصطناعي الصيني اليوم، ستستوعب بمرور الوقت، نهج الصين في المعايير التقنية ومبادئ الحوكمة.

وقد أسهم في ذلك إلى حد ما ضوابط التصدير الأمريكية التي جاءت بنتائج عكسية. فبعد أن فرضت هذه الضوابط تكاليف حقيقية على قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني، تحولت، من غير قصد، إلى عامل أساسي في تنظيم الصين لجهودها، بما يتجاوز تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. وتبدو النتيجة التي أفضت إليها هذه السياسة جذابة بصورة متزايدة لبقية العالم.

جاءت «الصدمة الصينية» الأولى مع ثورة التصنيع التي أعقبت انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. وتمثلت «الصدمة الصينية 2.0» في موجة التكنولوجيا النظيفة، من الألواح الشمسية والبطاريات إلى السيارات الكهربائية.

أما «الصدمة الصينية 3.0» فكانت انتشار التكنولوجيا الرقمية الصينية، من التجارة الإلكترونية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة. أما «الصدمة الصينية 4.0»، التي تلوح الآن في الأفق، فستكون مختلفة تماماً. فهي لن تقوم فقط على تصدير التكنولوجيا الصينية، بل على تصدير النهج الصيني في الابتكار باعتباره مشروعاً وطنياً.

واستراتيجية الذكاء الاصطناعي المفتوح نفسها هي نتاج للقيود. فقبل أن تسلط شركة «ديب سيك» الصينية الناشئة الضوء على نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الأوزان المفتوحة عام 2025، كانت «هواوي» قد قدمت بالفعل إسهاماً كبيراً في تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر في الصين.

وبعد إدراجها على «قائمة الكيانات» الأمريكية عام 2019، دفع تقييد وصولها إلى العتاد والبرمجيات الأمريكية الشركة إلى تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، مثل «هارموني أو إس» و«مايند سبور».

ورغم أن شي استخدم مصطلح «كاي يوان»، الذي يعني «مفتوح المصدر»، فإن الوصف الأدق لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية هي أنها نماذج «ذات أوزان مفتوحة». فأوزان النماذج متاحة للجمهور، لكن بيانات التدريب الكاملة ليست كذلك.

وتخفض النماذج ذات الأوزان المفتوحة تكاليف استخدامها، وتزيد أعداد مجتمعات المطورين، وتتيح للشركات تجاوز القيود الناجمة عن عدم القدرة على الوصول إلى الرقائق الأكثر تقدماً.

وهي جذابة بصورة خاصة للأسواق الناشئة، لكنها تكتسب شعبية أيضاً بين المطورين في أنحاء العالم بفضل كفاءتها من حيث التكلفة وقدرتها على التكيف مع أعباء العمل المختلفة.

وفي الصين، أصبحت هذه النماذج أيضاً ضرورة اقتصادية. فمحركات النمو التقليدية في البلاد تواجه ضغوطاً، بينما لا يزال الطلب المحلي ضعيفاً. وبالنسبة إلى قطاع التكنولوجيا، يخلق ذلك مشكلة أساسية:

فالإنفاق الهائل على نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة والتصنيع المتقدم يتطلب الوصول إلى عملاء قادرين على تحقيق عوائد من هذه الاستثمارات. ومع محدودية الإيرادات المحلية، فإن التوسع عالمياً من خلال نماذج منخفضة التكلفة قادرة على الانتشار سريعاً يساعد في حل هذه المشكلة.

كما أدى انتشار الذكاء الاصطناعي الصيني ذي الأوزان المفتوحة إلى زيادة اهتمام البلاد بتسريع حوكمة الذكاء الاصطناعي وتعزيز معايير السلامة فيه. فبمجرد إتاحة أوزان النموذج، يمكن تنزيلها وتعديلها وإعادة توزيعها وإزالة وسائل الحماية منها.

ويفقد المطور الأصلي القدرة على سحب الوصول إلى النموذج أو تحديث وسائل الحماية. وهذا بدأ بالفعل في تشكيل النقاش حول مفهوم «الانفتاح الانتقائي»، أي إبقاء النماذج مفتوحة، مع إمكانية تأخير الوصول إلى أكثر الأنظمة تقدماً أو تقييده، أو إخضاعها للمراجعة.

ويتمثل طموح شي في تسريع الانتشار العالمي للتكنولوجيا الصينية، وبناء موطئ قدم استراتيجي أقوى في الخارج، وتنويع تعرض الصين للمخاطر الجيوسياسية، والتأثير في النظام العالمي على نحو أكبر بما يصب في مصلحة الصين.

ولا تزال الرؤية الصينية للحوكمة في مراحلها الأولى. فالسلطة موزعة بين منظومة متداخلة من الجهات. إذ تعمل شنغهاي على بناء جزء كبير من البنية التحتية للتقييم التقني، بينما تعمل بكين على وضع أطر المخاطر والقواعد التنظيمية.

وتؤدي مؤسسات مثل الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات واللجنة الوطنية الصينية دوراً في توحيد معايير أمن المعلومات، إلى جانب الجامعات والشركات الخاصة. إنها منظومة معقدة ومتغيرة، لكن القدرات التقنية التي تستند إليها تزداد رسوخاً.

والزخم وراء «الصدمة الصينية 4.0» قوي؛ فالقيود الجيوسياسية تساعد على بلورة نموذج جديد ومتميز لحوكمة التكنولوجيا. ولن تصل الصدمة المقبلة على متن سفينة حاويات، بل ستنتشر عبر المبادئ التي تحيط بتقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية. والعالم غير مستعد لما سيأتي بعد ذلك.