جون بلندر

لطالما أثار تراجع عدد الشركات المدرجة في البورصات قلق صانعي السياسات في الاقتصادات المتقدمة حول العالم. فقد أصبحت الاكتتابات العامة الأولية أكثر ندرة، فيما تقلص عدد الشركات المدرجة بالفعل نتيجة عمليات الاستحواذ، وكثير منها نفذته شركات استثمار في الملكية الخاصة.

ويظهر ذلك بأوضح صورة في الولايات المتحدة، حيث انخفض عدد الشركات المدرجة إلى النصف منذ بداية القرن. لكننا نشهد الآن طرح «سبيس إكس»، أكبر اكتتاب عام أولي شهده العالم على الإطلاق.

فقد منح المستثمرون المتحمسون شركة إيلون ماسك، التي تحولت إلى ساحة ضخمة للمغامرات المؤسسية، تقييما يتجاوز 1.8 تريليون دولار. فهل يمكن أن يمثل ذلك نهاية الجفاف العالمي في الاكتتابات العامة الأولية؟

ومن المؤكد أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الأخرى، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، يتوقع أن تحذو حذوها. ومع ارتفاع الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي على مراكز البيانات، سيزداد الطلب على تمويل جديد عبر الأسهم، وكذلك عبر الديون.

كما تشهد الصين أيضاً طفرة في اكتتابات شركات التكنولوجيا، مع توقع طرح شركات من أمثال «مونشوت» أسهمها للتداول في هونج كونج.

وفي الواقع، يكاد يكون من المؤكد أننا نشهد تحولاً جذرياً. فقد أدت المنافسة الشديدة من الأسواق الناشئة خلال السنوات الأخيرة إلى دفع اقتصادات العالم المتقدم بعيداً عن التصنيع الذي يحتاج كثافة في رأس المال إلى قطاع الخدمات.

في الوقت نفسه، أتاح صعود الأسواق الخاصة بديلاً مرناً للأسواق، إذ نمت صناعة الملكية الخاصة من نحو 500 إلى 600 مليار دولار في أوائل العقد الأول من القرن الجاري، إلى 7.6 تريليونات دولار في عام 2022، وفقاً لشركة الاستشارات «ماكينزي» وكانت النتيجة أن الشركات غير المدرجة تبقى تحت الملكية الخاصة لفترات أطول.

ويمثل ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عودة إلى عالم متقدم أكثر اعتماداً على رأس المال. لكن أوروبا، حتى الآن، متأخرة عن الركب، بما في ذلك المملكة المتحدة التي يتمتع قطاع التكنولوجيا فيها بحيوية أكبر من اقتصادات أوروبا القارية. إلا أن لندن تخسر اكتتابات شركات التكنولوجيا لصالح نيويورك.

ويعكس تراجع الاستثمار في الأسهم بالمملكة المتحدة لسنوات طويلة حقيقة أن المستثمرين المحليين، مثل صناديق معاشات التقاعد، خفضوا نسبة أصولهم في الأسهم البريطانية من 32% إلى أقل من 2% بحلول 2023.

وكان من الأسباب الرئيسية لذلك تغير في معايير المحاسبة، ألزم الشركات بالإفصاح عن عجز صناديق التقاعد، باعتباره التزاماً في ميزانياتها العمومية. ورد المديرون الماليون باعتماد محافظ سندات منخفضة المخاطر.

وعلى جانبي الأطلسي، استجاب صانعو السياسات لتراجع عدد الشركات المدرجة بتخفيف قواعد الإدراج، من خلال خفض تكاليف طرح الشركات للاكتتاب العام وأعباء الإفصاح المترتبة على ذلك. لكن هذا النهج يستند، على الأرجح، إلى تشخيص خاطئ للمشكلة.

وكما يشير الأكاديميان في جامعة هارفارد، مارك رو، وتشارلز وانج، فإن الوزن الاقتصادي للشركات الأمريكية المدرجة لم ينخفض إلى النصف. فقد ارتفعت القيمة السوقية للأسهم بدرجة كبيرة خلال العقود الثلاثة الماضية.

كما ارتفعت الأرباح والإيرادات والاستثمارات والتوظيف. وخلص الباحثان إلى أن صانعي السياسات يركزون أكثر مما ينبغي على إلغاء القيود التنظيمية، في حين أن تراجع الاستثمار في الأسهم يعكس جزئياً تركز النشاط الصناعي، نتيجة تراخي سياسات المنافسة.

وتختلف المملكة المتحدة عن الولايات المتحدة. فالقيمة السوقية للأسهم مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي آخذة في الانخفاض، على عكس الولايات المتحدة، كما أن أداء سوق الأسهم أقل قوة.

رغم ذلك، يبدو التركيز البريطاني على تخفيف القيود المالية بهدف تعزيز النمو الاقتصادي أمراً غير منطقي، في ضوء المساهمة الكارثية للتنظيم المتساهل في الأزمة المالية الكبرى بين عامي 2007 و2009.

كما أن تركيز صانعي السياسات على حماية مكانة مدينة لندن كمركز مالي دولي لا يعالج مشكلة تقلص عدد الشركات المدرجة. فقد ظل مايكل هاول من شركة «كروس بوردر كابيتال» يؤكد منذ فترة طويلة أن التوازن في أسواق رأس المال تحول من التركيز على جمع الأموال إلى مزيد من إعادة التمويل وإعادة توزيع رأس المال.

ولذلك فإن سوق الأسهم الأولية ليست في الواقع سوى مسألة هامشية في عالم تهيمن عليه أسواق ضخمة للعملات والمشتقات والديون واتفاقيات إعادة الشراء، ناهيك عن التأمين والسلع وغيرها. وفي ورقة بحثية حديثة، وجد ألبيرين غوزلوغول من كلية لندن للاقتصاد أدلة محدودة على وجود فجوة تمويلية لدى الشركات البريطانية.

وفيما يتعلق بالسياسات، كان المفكر الاقتصادي جون ماينارد كينز يتمتع بحس حاد تجاه ما هو مهم فعلاً، ففي كتابه «بحث في النقود»، قال: «المبادرة هي التي تبني ممتلكات العالم وتحسنها.. فإذا كانت المبادرة حاضرة، تراكمت الثروة بغض النظر عما يحدث للادخار. وإذا كانت المبادرة غائبة، تدهورت الثروة، مهما كان ما يفعله الادخار».

وهذه هي الرسالة التي ينبغي توجيهها إلى حكومة آندي بورنهام: تجاهل جماعات الضغط في مدينة لندن التي تسعى وراء الرسوم، وركز على إصلاح النظام الضريبي والتخطيط لتشجيع روح المبادرة، بدلاً من تخفيف القيود المالية والانخراط في سباق نحو القاع في حوكمة الشركات.