إيليا جريدنيف
في أوج مجدها، كانت «بلاكبيري» تحظى بشعبية هائلة إلى درجة أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما رفض التخلي عن هاتفه الـ «بلاكبيري» عندما تولى الرئاسة.
لكن عهد «بلاكبيري»، التي أحدثت تحولاً في الاتصالات المحمولة خلال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وبدايات العقد الثاني، انتهى بعدما أصبحت هواتفها الثورية المزودة بلوحات مفاتيح «مادية» قديمة مع ظهور هاتف «آيفون» من «آبل»، والهواتف الذكية المزودة بشاشات تعمل باللمس والتطبيقات.
والآن، بدأت عودة الشركة التي استغرقت عقداً ونصف العقد تقريباً تؤتي ثمارها، بعد أن سجلت الشركة صافي مركز نقدي موجباً في الربع الأول من العام، وهو مؤشر رئيسي على الاستقرار المالي. ولم تحقق الشركة هذا الإنجاز في بداية أي سنة مالية منذ عام 2017.
ويقف وراء هذا التعافي نظام تشغيل للسيارات يحمل اسم «كيو إن إكس»، وبرنامج «سيكيورسمارت» للتشفير الذي تستخدمه حكومات وبعض أكبر البنوك في العالم.
ورغم أن هذه المنصات أقل ظهوراً من الهواتف التي كانت تحدد هوية «بلاكبيري» ذات يوم، فإنها أصبحت منتشرة على نطاق واسع إلى حد يكاد يماثل انتشار تلك الهواتف.
وقال جون جياماتيو، الرئيس التنفيذي لبلاكبيري منذ ديسمبر 2023، من مقر الشركة في مدينة واترلو الكندية، الواقعة على بعد نحو 115 كيلومتراً غرب تورونتو، حيث صنعت بلاكبيري أول أجهزتها المحمولة «كيو إن إكس في أوج ازدهاره. لقد انتقلنا من مرحلة التحول إلى مرحلة النمو».
وهذا يمثل تحولاً كبيراً عن أيام «كراك بيري»، حين كانت هواتف الشركة من الإكسسوارات التي لا غنى عنها لنجوم مثل الثنائي الهوليوودي السابق براد بيت وأنجلينا جولي، وللشباب على حد سواء، حتى قيل إنها تسبب الإدمان.
وأوقفت «بلاكبيري» بيع الهواتف عام 2016، للتركيز على البرمجيات والخدمات الموجهة إلى الشركات.
وقررت شركة «ريسرش إن موشن»، وهو الاسم الذي كانت تعرف به الشركة الكندية آنذاك، الاستحواذ على «كيو إن إكس» عام 2010 مقابل نحو 200 مليون دولار، إلى جانب استحواذها على شركة «سيكيورسمارت» الألمانية المختصة في برمجيات التشفير بعد ذلك بأربع سنوات.
وتستخدم تكنولوجيا «كيو إن إكس» أيضاً في الروبوتات والأجهزة الطبية وقطاعات الدفاع والطيران والفضاء، وهي تمثل الآن نحو نصف إيرادات «بلاكبيري»، في مؤشر على أن عمليات الاستحواذ وضعت الشركة على طريق مستقبل أكثر إشراقاً.
وقال جيم بالسيلي، الرئيس التنفيذي المشارك السابق الذي ترك الشركة عام 2012 وكان في وقت من الأوقات أحد أكبر مساهميها: «أنا سعيد جداً من أجلهم». وأضاف في حديث لـ «فايننشال تايمز»: «لقد أثمر استحواذنا على كيو إن إكس».
ولا تزال «بلاكبيري» بعيدة جداً عن حجمها السابق، عندما كانت شركة عملاقة تبلغ قيمتها 83 مليار دولار وتستحوذ على نحو 20 في المئة من سوق الهواتف المحمولة العالمية، قبل أن تنتزع «آبل» و«سامسونغ» و«جوجل» تلك الحصة منها.
لكن سهم الشركة قفز 150 في المئة خلال العام الماضي، وتبلغ قيمتها السوقية حالياً نحو 5.2 مليارات دولار. وفي يوم إعلان النتائج في يونيو، ارتفع السهم بنحو 20%.
ويبدو أن الاستحواذ في عام 2014 على برنامج «سيكيورسمارت» المضاد للتنصت كان قراراً أكثر ذكاءً مع تزايد الاضطرابات العالمية، التي دفعت دولاً في مختلف أنحاء العالم إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. وتوفر الشركة خدمات اتصالات صوتية ونصية ورسائل مشفرة بمستوى أمني معتمد لدى حلف شمال الأطلسي «ناتو» لنحو 20 حكومة.
وقال جياماتيو: إن تكنولوجيا الشركة أصبحت منتشرة إلى درجة أن الأشخاص الذين يقرأون هذا المقال ربما يستخدمون منتجات «بلاكبيري» يومياً من دون أن يعرفوا ذلك.
وأضاف: «تقريباً كل شركة لتصنيع السيارات في العالم تستخدم تقنية بلاكبيري. ونحن نرى مزيداً من الاعتماد على تقنياتنا في تصميمات السيارات المستقبلية في الصين وأوروبا وأمريكا الشمالية».
وقال كيفن ميشالوك، رجل الأعمال الكندي الذي أطلق حملة لإعادة الهواتف القديمة إلى السوق ويبيع نسخته الخاصة من لوحة مفاتيح «بلاكبيري»: إن الشركة أصبحت الآن أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية مما كانت عليه عندما كانت تبيع الهواتف.
وقال ميشالوك: «هي أقل ظهوراً، لكنها، في رأيي، أكثر اندماجاً في الاقتصاد الحديث»، مضيفاً أن قصص العودة من هذا النوع نادرة في قطاع التكنولوجيا.
وأضاف «أمضى السوق سنوات في تقييم بلاكبيري بناءً على ما كانت عليه في الماضي. أما في الآونة الأخيرة، فيبدو أن المستثمرين أصبحوا أكثر استعداداً لتقييمها بناءً على ما هي عليه اليوم بالفعل».
ووسعت بلاكبيري هذا العام شراكتها مع إنفيديا في «الذكاء الاصطناعي المادي»، من خلال توفير برمجيات «كيو إن إكس» للروبوتات ذاتية التشغيل والروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات الجراحية، إلى جانب تقنيات التصوير الطبي والأتمتة الصناعية.
وقال سكوت موريسون، مؤسس ومدير الاستثمار في شركة «ويلهاوس كابيتال» في تورونتو: إن القرارات التي اتخذتها بلاكبيري قبل عقود أنقذتها من الإفلاس. وقال: «لن أصف عودتهم بأنها حظ، فأنت تصنع حظك بنفسك».