نولان شافير، ألكسندرا وايت
قد تؤدي طفرة بناء مراكز البيانات لدى عمالقة التكنولوجيا إلى خلق مصدر ضخم جديد لانبعاثات الكربون، مع تسبب الطلب المتزايد على الكهرباء في موجة من إنشاء محطات توليد تعمل بالوقود الأحفوري، رغم التزامات الشركات المناخية.
وخلص تحليل أجرته «فايننشال تايمز» لـ 60 من أكبر مراكز البيانات التي تخطط «أمازون» و«مايكروسوفت» و«جوجل» و«ميتا» لإنشائها في الولايات المتحدة، إلى أنها قد تنتج مجتمعة 101.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً عند تشغيلها بالكامل.
ويعادل ذلك نحو 7% من انبعاثات قطاع الكهرباء الأمريكي عام 2025، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لـ27 محطة لتوليد الكهرباء بالفحم أو 24 مليون سيارة تعمل بالبنزين.
وقال جوناثان كومي الباحث في مجال الطاقة: «هذا تقدير معقول إلى حد كبير. صحيح أنه يمثل جزءاً صغيراً نسبياً من الإجمالي، لكنه لا يزال زيادة كبيرة مقارنة بما كانت تقول إنها ستفعله قبل خمس سنوات، إذ كانت جميعها تملك خططاً لخفض الانبعاثات».
وتدفع طفرة مراكز البيانات لبناء محطات جديدة تعمل بالوقود الأحفوري لموثوقيتها في توليد الكهرباء. وأظهر تحليل استناداً لإفصاحات شركات المرافق وبيانات «إس آند بي» وتحليلات شركة «دي سي بايت»، أن ثلاثة أرباع شركات المرافق التي تخدم المشروعات الستين تخطط لبناء قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز أو تعمل على إنشائها.
كما أجلت ثلث شركات المرافق التي تدير محطات تعمل بالفحم عمليات إغلاقها. وتؤكد هذه التقديرات حجم التهديد الذي تمثله طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أمام سنوات من التقدم في خفض انبعاثات توليد الكهرباء في أمريكا.
وقال آرون بيرجمان، الباحث في مؤسسة «ريزورسز فور ذا فيوتشر»: «في كل مرة يزيد فيها الطلب على شبكة الكهرباء، فمن المرجح جداً أن تشهد زيادة في الانبعاثات». وقد أبلغ 17% من مشغلي شركات المرافق التي تخدم مراكز البيانات الستين الجهات التنظيمية صراحة بأن محطات غاز جديدة يجري بناؤها لتلبية الطلب على الكهرباء.
وقال تايلور مكنير، نائب مدير شركة «جريد لاب» للاستشارات في الطاقة النظيفة: «عندما يقفز الطلب، تتجه شركات المرافق إلى الحل السهل، إضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز».
وأضاف «خلال عامين تقريباً، كان هناك الكثير من التقدم في نشر مصادر الطاقة المتجددة الجديدة، لكن ظاهرة الطلب على الكهرباء التي نواجهها الآن أربكت هذه الجهود بالتأكيد».
وكادت أمريكا أن تضاعف قدرات توليد الكهرباء بالغاز قيد التطوير لديها ثلاث مرات في 2025، ما قد يزيد عدد محطات الغاز بنحو 50% إذا تم بناء جميع المحطات، وفقاً لـ«جلوبال إنرجي مونيتور». ويتم تخصيص أكثر من ثلث هذه القدرات لتزويد مراكز البيانات بالكهرباء في مواقعها.
ورغم التزامات شركات التكنولوجيا العملاقة بخفض الانبعاثات، أقرت بعض هذه الشركات في أحدث تقارير الاستدامة الخاصة بها بأن انبعاثاتها ارتفعت بسبب التوسع في بناء مراكز البيانات.
وقالت «أمازون» في أحدث تقاريرها للاستدامة إن انبعاثاتها ارتفعت 16% بين عامي 2024 و2025، مدفوعة ببناء مراكز البيانات والوقود المستخدم في عمليات التوصيل. وأضافت أن الانبعاثات المرتبطة بشراء الكهرباء ارتفعت 34%.
وقالت «مايكروسوفت» إن إجمالي انبعاثاتها ارتفع 25% خلال الفترة نفسها، مدفوعاً بصورة رئيسية بالتوسع في البنية التحتية لمراكز البيانات. كما أفادت «ألفابت» بأن انبعاثاتها، وفق المقياس الذي تستخدمه الشركة لقياس التقدم نحو أهدافها المناخية، ارتفعت 18%، نتيجة زيادة أنشطة سلسلة الإمداد المرتبطة بالتوسع السريع في أعمالها.
وقالت «ألفابت» في التقرير: «ندرك أن تأثيرنا المناخي يتزايد بالتوازي مع النمو غير المسبوق للذكاء الاصطناعي، ونعمل بنشاط على تقليل هذا التأثير». وأضافت أنه لولا جهودها الأخرى لإزالة الكربون، لكان حجم بصمتها الكربونية في عام 2025 أكبر بخمسة أمثال.
وقد وضعت شركات التكنولوجيا الأربع خططاً لموازنة استهلاكها من الكهرباء من خلال استثمارات في الطاقة النظيفة، غالباً عبر استخدام شهادات الطاقة المتجددة.
وقدرت شركة الأبحاث «روديوم جروب» في تقرير صدر في أبريل أن الاختناقات في سلاسل الإمداد، وتراكم طلبات الربط بشبكة الكهرباء، وصعوبات الحصول على التصاريح، تعرقل إضافة مصادر الطاقة النظيفة إلى الشبكة.
وقد يدفع ذلك شركات المرافق لتشغيل محطات الغاز والفحم الحالية بكثافة أكبر، ما يزيد الانبعاثات حتى قبل دخول المحطات الجديدة الخدمة.
وقال جون لارسن، الشريك في شركة الأبحاث «روديوم جروب» إنه «يجب أن تستمر إضافة مصادر الطاقة النظيفة بالوتيرة نفسها التي ينمو بها الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات، للحفاظ على مسار خفض الانبعاثات، لكن ذلك ليس أمراً مضموناً».
وتعد مراكز البيانات أكبر محرك لنمو الطلب على الطاقة، وفقاً لتقرير صادر عن «جريد ستراتيجيز»، إذ تمثل نحو 55% من توقعات نمو أحمال شركات المرافق خلال السنوات الخمس المقبلة. واستجابت العديد من هذه الشركات بتأجيل إغلاق محطات الفحم.
وطلبت شركة «جورجيا باور»، التي تزود مراكز بيانات تابعة لـ«أمازون» و«مايكروسوفت» بالكهرباء، أخيراً من الجهات التنظيمية في ولاية جورجيا السماح لها بإضافة 9885 ميجاواط جديدة، وقالت إن معظمها سيخدم عملاء كبار جدد، مثل مراكز البيانات.
ورغم أن الشركة تخطط لبناء مشروعات للطاقة المتجددة لتلبية غالبية هذا الطلب، فإن لديها 5234 ميجاواط من قدرات توليد الكهرباء بالغاز مخطط لها وقيد الإنشاء في الولاية، وفقاً لبيانات «إس آند بي».
كما أجلت الشركة إغلاق محطات الفحم التابعة لها، وقالت في إفصاحاتها إنها تحتاج إلى تشغيلها حتى عام 2035 أو بعده. وقالت الشركة رداً على النتائج: «نفخر بمزيج الطاقة المتنوع لدينا، الذي يشمل مجموعة متنوعة من مصادر التوليد لتلبية احتياجات العملاء».
وكانت شركات مرافق أخرى أكثر وضوحاً في هذا الاتجاه. إذ تعمل «إنتري لويزيانا» على بناء نحو 10 آلاف ميجاواط من قدرات توليد الكهرباء الجديدة بالغاز، بما في ذلك 10 محطات غازية مخصصة لمركز البيانات الجديد التابع لـ«ميتا» في ريتشلاند.
وقالت الشركة: «نستخدم قدرات توليد حديثة وعالية الكفاءة تعمل بالغاز، إلى جانب تحديثات جديدة لشبكة النقل، لتوفير الكهرباء بشكل موثوق لمركز البيانات واسع النطاق التابع لـ«ميتا»، وهي قدرات لا تستطيع مصادر الطاقة المتجددة وحدها توفيرها بهذا الحجم حالياً».
وأضافت أن الجهات التنظيمية في الولاية وافقت أخيراً على ما يصل إلى 1500 ميجاواط من الطاقة الشمسية، كما اقترحت الشركة إضافة 2500 ميجاواط أخرى من الطاقة الشمسية لتلبية الطلب.
وبدأ بعض مشغلي مراكز البيانات، في ظل تسابقهم لتوفير إمدادات الكهرباء، في تأمين مصادر الطاقة الخاصة بهم «خلف العداد»، أي خارج شبكة الكهرباء. وتظهر بيانات شركة «ريستاد إنرجي» أن معظم مصادر الطاقة هذه تعتمد بدرجة كبيرة جداً على الغاز الطبيعي.
وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أخيراً بأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ارتفعت 2% العام الماضي، مدفوعة إلى حد كبير بزيادة الطلب على الكهرباء في قطاع الطاقة، بما في ذلك الزيادة الناتجة عن مراكز البيانات.