جون بيرن-مردوخ
نادراً ما أصادف في عملي إحصائية تثير دهشتي إلى حد يجعلني أتوقف في مكاني. لكن هذا ما حدث في وقت سابق من الأسبوع الجاري.
كنت استكشف بيانات «المسح الأمريكي لاستخدام الوقت»، الذي يعتمد على يوميات مفصلة تتبع كيف يقضي الناس كل دقيقة من يوم يختارونه عشوائياً، ومع من؟ عندما صادفت الرقم التالي. في أي يوم عادي من عام 2023، لم يقض واحد من كل عشرة أمريكيين تراوح أعمارهم بين 23 و29 عاماً دقيقة واحدة في التفاعل وجهاً لوجه مع شخص آخر.
وقد كتب الكثير عن تراجع الاختلاط الاجتماعي بين الشباب خلال السنوات الأخيرة، لكن هذه التحليلات، بما فيها تحليلاتي، تركز في الغالب على متوسطات للمجتمع ككل.
وهذا يغفل جانباً مهماً من القصة، سواء أكنا نتحدث عن الأثر الممتد لإغلاقات الجائحة، أم البيئة الرقمية شديدة الجاذبية على نحو متزايد، أم الضغوط الأكاديمية المتصاعدة، فإن القوى التي تدفع الناس للابتعاد عن الاختلاط الاجتماعي يختلف تأثيرها جذرياً من شاب إلى آخر.
فحياة كثير من المراهقين والشباب اليوم غنية اجتماعياً بقدر ما كانت عليه قبل عقد، في حين أصبح آخرون «معزولين تماماً». وكان ربع الشباب الأكثر اندماجاً اجتماعياً يقضون في السابق 87% من يومهم مع أشخاص آخرين، سواء من أفراد الأسرة أم الأصدقاء أم زملاء العمل أم غيرهم.
وخلال الجائحة، انخفضت هذه النسبة إلى 78 في المئة، لكنها عادت الآن إلى 83 في المئة. أما الفئة الأكثر عزلة، فكانت تقضي في السابق نحو ثلث يومها في محيط أشخاص آخرين، لكن هذه النسبة انهارت الآن إلى «ما يقارب الصفر».
وتقدم البيانات البريطانية صورة مماثلة لما قد نحتاج إلى البدء في تسميته «عدم المساواة في الاختلاط الاجتماعي». إذ خلص تقرير مرتقب من معهد أبحاث السياسات العامة إلى أنه في حين أن لدى الشاب البريطاني في المتوسط نحو 5 أصدقاء مقربين، وهو الرقم نفسه المسجل عام 2015، فإن نسبة من «ليس لديهم صديق مقرب واحد على الإطلاق» قفزت من واحد لكل 100 في عام 2015 إلى واحد لكل 20 اليوم.
تراجع الاختلاط الاجتماعي في المجتمعات الحديثة عملية مطردة، لكن فجوة كبيرة في مستويات العزلة ظهرت بعد الجائحة وفق العديد من المقاييس. فقد جعلت الإغلاقات والتباعد الاجتماعي والتحول من التعليم والعمل حضورياً إلى التعليم والعمل عبر الإنترنت أيام كثير من الناس أقل اختلاطاً وبصورة كبيرة لنحو عام.
لكن الأشخاص الذين أصبحت حياتهم أكثر عزلة بشكل خاص خلال الجائحة، أو الذين كانوا يعتمدون في السابق بدرجة أكبر على علاقات فرضتها ظروف الحياة بدلاً من الروابط العميقة، تعرضوا لضرر طويل الأمد.
وكانت الفئة الأكثر تضرراً بوضوح هي الشباب الذين لا يعملون ولا يتلقون تعليماً. ففي أوروبا الغربية، بلغت نسبة أفراد هذه الفئة الذين كانوا يلتقون بالأصدقاء أو أفراد الأسرة أقل من مرة واحدة شهرياً 7% قبل الجائحة، لكنها ارتفعت إلى 14% عام 2021 وظلت عند مستويات مرتفعة منذ ذلك الحين.
وتشير الأرقام إلى تزامن مقلق بين تحولات اجتماعية بطيئة وأخرى سريعة. فمن انتشار العمل عن بُعد إلى أجهزة الدفع الذاتي، وإزاحة التسوق من المتاجر التقليدية لصالح التجارة الإلكترونية، أدت التكنولوجيا تدريجياً إلى تقليص عدد اللقاءات العابرة بين الناس التي كانت توفر عادة، حتى لأكثر الأشخاص تحفظاً، قدراً أساسياً من التواصل الإنساني.
في الوقت نفسه، أدى انتشار المحتوى الرقمي شديد الجاذبية والمتاح بلا حدود إلى جعل قضاء أوقات الفراغ منفرداً هو الوضع الافتراضي، في حين أصبح الاختلاط الاجتماعي وجهاً لوجه يتطلب جهداً أكبر نسبياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الأكثر ميلاً إلى القلق أو الانطواء. وبينما أتاحت الابتكارات الميكانيكية التي توفر الجهد وقتاً أكبر للاختلاط الاجتماعي، كان تأثير الابتكارات الرقمية غالباً معاكساً.
وعندما نضيف هذه التحولات البطيئة التي تدفع نحو الابتعاد عن الاختلاط الاجتماعي إلى الصدمة التي أحدثتها الجائحة، بما رافقها من اضطراب في العادات وفرض للعزلة على كثير من الشباب، فإن بعض أفراد هذه الفئة ينزلقون إلى وضع جديد وضار يصعب عليهم الخروج منه.
وتكتسب الروابط الاجتماعية أهمية بالغة للصحة وطول العمر، كما أن تزايد التداخل بين العزلة الاجتماعية والاقتصادية يجعل مشكلة تزايد أعداد الشباب خارج سوق العمل أكثر صعوبة في المعالجة.
بل إن آثار الترابط الاجتماعي تمتد إلى جوانب كثيرة من الحياة، بحيث يمكن القول إن معالجة تزايد الفقر في هذا الجانب ينبغي أن تحتل أولوية تفوق أولوية معالجة الفقر المالي نفسه. وقد لا تكون هذه التحولات قد حدثت عن قصد، لكن الحد من آثارها يجب أن يكون أولوية لصانعي السياسات ولنا جميعاً.