لكن ذلك لا يحدث إلا بعد عملية انتقال طويلة جداً تبدأ من الأسواق المالية وصولاً إلى السلع والخدمات الفعلية. وسواء أكان التضخم ناتجاً عن زيادة الإنفاق أو نقص سلعة أساسية، فإن استجابة السياسة النقدية المحتملة واحدة، الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو زيادتها. وبطريقة ما، ينجح هذا النظام في الحفاظ على استقرار الأسعار، لكنه يظل أداة غليظة.
وانضم مئات الملايين من العمال في الاقتصادات الناشئة إلى قوة العمل العالمية، ما أدى إلى خفض تكلفة التصنيع وغيرها من التكاليف. وكان كل شيء يسير على ما يرام عندما كانت صدمات العرض إيجابية.
وكان البنك المركزي الأوروبي صريحاً على نحو غير معتاد بشأن ما تعنيه هذه التطورات لإطار سياسته النقدية. وفي أحدث مراجعة لاستراتيجيته قال: «قد تؤدي التغيرات الهيكلية الجارية إلى زيادة تواتر الاضطرابات الناجمة عن جانب العرض مقارنة بالماضي.
وقد تولد قدراً أكبر من عدم اليقين وتقلبات في التضخم وقد تنشأ هذه الاضطرابات، على سبيل المثال، عن عوامل جيوسياسية أو تغير المناخ، ما يزيد حالة عدم اليقين المحيطة بالبيئة الاقتصادية المستقبلية».
وهذا مهم لأن صدمات العرض تمثل «أصعب معضلة» تواجه السياسة النقدية، على حد تعبير رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد، «لأنها تدفع التضخم والنشاط الاقتصادي في اتجاهين متعاكسين».
فارتفاع التضخم يدعو إلى زيادة أسعار الفائدة، بينما تضرر النمو يدعو إلى خفضها. وفي هذا السياق، تقول إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي: إن «السياسة النقدية أصبحت أقرب إلى الفن منها إلى العلم».
فقد نجحت حزم الدعم المؤقتة والموجهة للطاقة إلى حد ما في تخفيف أثر الأزمة على الأسر خلال 2022 - 2023. لكن كثيراً من الحكومات مقيدة بارتفاع مستويات الدين، كما أن إصلاحات جانب العرض تحتاج إلى وقت.
ويتيح توجه البنك المركزي الأوروبي نحو «المدى المتوسط» أن يأخذ في الاعتبار مصدر الصدمة وحجمها واستمراريتها، لا مجرد حقيقة أن التضخم أعلى من المستوى المستهدف. لكن بالنسبة إلى البنوك المركزية التي لم تتمكن بعد من إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، يصعب الدفاع عن هذا النهج.
ووفقاً لهذا الرأي، لا يمكن أن تقوم مكافحة التضخم على افتراض أن هذه الصدمات مجرد اضطرابات مؤقتة. فأسعار بعض المواد تؤثر في مختلف قطاعات الاقتصاد، لذا قد يكون من الأنسب التدخل فيها مباشرة عبر السياسات الاقتصادية.
وهذه مهمة الحكومات. فإذا كان التضخم مدفوعاً بمشكلة حقيقية في جانب العرض، فلا بد أن تشمل الاستجابة سياسات تعالج المشكلة مباشرة، مثل الاستثمار في الطاقة، وتكوين احتياطيات استراتيجية، وتقديم مساعدات موجهة، وتعزيز سياسات المنافسة، وبناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود.