داير ماكفادن‏‏ ‏

تمتلك البنوك المركزية مجموعة محدودة من الأدوات، وهي ليست ملائمة تماماً للتحديات التي نواجهها اليوم. فأداتها الرئيسية، وهي أسعار الفائدة، يمكنها رفع الأسعار أو خفضها في مختلف أنحاء الاقتصاد.

لكن ذلك لا يحدث إلا بعد عملية انتقال طويلة جداً تبدأ من الأسواق المالية وصولاً إلى السلع والخدمات الفعلية. وسواء أكان التضخم ناتجاً عن زيادة الإنفاق أو نقص سلعة أساسية، فإن استجابة السياسة النقدية المحتملة واحدة، الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو زيادتها. وبطريقة ما، ينجح هذا النظام في الحفاظ على استقرار الأسعار، لكنه يظل أداة غليظة.

وقد نجح هذا النظام إلى حد كبير في عصر إدارة الطلب. فلم يكن على البنوك المركزية سوى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح اقتصاد ترتفع حرارته أكثر من اللازم، أو خفضها لتحفيز الطلب.

ومن تسعينيات القرن الماضي إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت المهمة بسيطة نسبياً. فقد كانت البيئة الاقتصادية الكلية تميل هيكلياً إلى انخفاض التضخم.

وانضم مئات الملايين من العمال في الاقتصادات الناشئة إلى قوة العمل العالمية، ما أدى إلى خفض تكلفة التصنيع وغيرها من التكاليف. وكان كل شيء يسير على ما يرام عندما كانت صدمات العرض إيجابية.

أما الآن، فنحن نعيش عصراً تزداد فيه صدمات العرض السلبية تكراراً، ولم تعد الاستجابة السياسية المناسبة لها واضحة بالقدر نفسه. ومنذ الجائحة وأزمة الطاقة، اضطرت العديد من البنوك المركزية الكبرى إلى مواجهة هذه المشكلة.

وكان البنك المركزي الأوروبي صريحاً على نحو غير معتاد بشأن ما تعنيه هذه التطورات لإطار سياسته النقدية. وفي أحدث مراجعة لاستراتيجيته قال: «قد تؤدي التغيرات الهيكلية الجارية إلى زيادة تواتر الاضطرابات الناجمة عن جانب العرض مقارنة بالماضي.

وقد تولد قدراً أكبر من عدم اليقين وتقلبات في التضخم وقد تنشأ هذه الاضطرابات، على سبيل المثال، عن عوامل جيوسياسية أو تغير المناخ، ما يزيد حالة عدم اليقين المحيطة بالبيئة الاقتصادية المستقبلية».

وبعبارة بسيطة، يقول البنك المركزي الأوروبي إنّ الصدمات الناجمة عن الجغرافيا السياسية والمناخ والطاقة والتجارة أصبحت جزءاً أكثر انتظاماً من البيئة الاقتصادية الكلية.

وهذا مهم لأن صدمات العرض تمثل «أصعب معضلة» تواجه السياسة النقدية، على حد تعبير رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد، «لأنها تدفع التضخم والنشاط الاقتصادي في اتجاهين متعاكسين».

فارتفاع التضخم يدعو إلى زيادة أسعار الفائدة، بينما تضرر النمو يدعو إلى خفضها. وفي هذا السياق، تقول إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي: إن «السياسة النقدية أصبحت أقرب إلى الفن منها إلى العلم».

فماذا ينبغي على البنوك المركزية أن تفعله إذاً؟ كانت الاستجابة التقليدية تتمثل في «تجاهل» صدمات العرض المؤقتة عند اتخاذ السياسة النقدية. وهو نهج يعترف، في حد ذاته، بحدود قدرة السياسة النقدية.

وكما قال جيف كوري من شركة كارلايل، بذكاء: «لا يمكنك طباعة السلع». ومن الناحية المثالية، كان ينبغي على الحكومات أن تتحمل جزءاً أكبر من العبء، من خلال تعزيز أمن الطاقة، وزيادة المعروض من العمالة، ورفع قدرة سلاسل الإمداد على الصمود.

فقد نجحت حزم الدعم المؤقتة والموجهة للطاقة إلى حد ما في تخفيف أثر الأزمة على الأسر خلال 2022 - 2023. لكن كثيراً من الحكومات مقيدة بارتفاع مستويات الدين، كما أن إصلاحات جانب العرض تحتاج إلى وقت.

هذا هو الجانب العلمي، على أي حال. فماذا عن الجانب الفني؟ أحد الخيارات هو أن تتسامح البنوك المركزية مع ابتعاد التضخم عن مستهدفاته لفترات أطول.

ويتيح توجه البنك المركزي الأوروبي نحو «المدى المتوسط» أن يأخذ في الاعتبار مصدر الصدمة وحجمها واستمراريتها، لا مجرد حقيقة أن التضخم أعلى من المستوى المستهدف. لكن بالنسبة إلى البنوك المركزية التي لم تتمكن بعد من إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، يصعب الدفاع عن هذا النهج.

وهناك رأي آخر، أكثر حداثة، يرى أن الوقت حان لتحديث أدوات السياسة النقدية وهياكلها المؤسسية بما يتلاءم مع عصر صدمات العرض. وتجادل دراسة حديثة من كلية لندن الجامعية بأن تغير المناخ والتجزؤ الجيوسياسي يجعلان صدمات الغذاء والطاقة والمدخلات الأساسية أكثر تكراراً ورسوخاً من الناحية الهيكلية.

ووفقاً لهذا الرأي، لا يمكن أن تقوم مكافحة التضخم على افتراض أن هذه الصدمات مجرد اضطرابات مؤقتة. فأسعار بعض المواد تؤثر في مختلف قطاعات الاقتصاد، لذا قد يكون من الأنسب التدخل فيها مباشرة عبر السياسات الاقتصادية.

ويطرح بياجو بوسوني، المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مسألة الهيكل المؤسسي باعتبارها تقسيماً واضحاً للعمل. فالبنوك المركزية تستطيع حماية مصداقية السياسة النقدية، لكنها لا تستطيع حل مشكلة نقص الطاقة أو الغذاء أو العمالة أو المواد الأساسية.

وهذه مهمة الحكومات. فإذا كان التضخم مدفوعاً بمشكلة حقيقية في جانب العرض، فلا بد أن تشمل الاستجابة سياسات تعالج المشكلة مباشرة، مثل الاستثمار في الطاقة، وتكوين احتياطيات استراتيجية، وتقديم مساعدات موجهة، وتعزيز سياسات المنافسة، وبناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود.

لقد اعتدنا أكثر مما ينبغي على التفكير في البنوك المركزية باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على التحرك. لكن تزايد حجم وتواتر صدمات العرض السلبية التي لا تستطيع السياسة النقدية السيطرة عليها بالكامل ينبغي أن يفتح نقاشاً حول تجديد التعاون بين السياسات المالية والنقدية بما يتناسب مع عصرنا.