هيئة تحرير «فاينانشال تايمز»

بلغت درجات حرارة مياه البحار عالمياً مستوى قياسياً الشهر الماضي، وهذه إشارة مقلقة في إطار تغير المناخ، الذي يسهم في حدوث موجات احترار بحرية في المحيطات الأطلسي والهادئ والمتوسط، لكن، شئنا أم أبينا، فإن ذلك يعني أيضاً فرصاً تجارية.

فمع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، بدأت ممرات ملاحية جديدة تتفتح في أقصى الشمال وستقلص هذه الممرات بصورة جذرية الوقت والطاقة اللازمين لنقل البضائع التجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، كما ستعيد هذه الطرق التجارية الجديدة رسم الخريطة الجيواستراتيجية.

وفي إطار ما يسمى «مبدأ دونرو»، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعطاء الأولوية للأمن في المناطق الأقرب إلى الولايات المتحدة، وهو ما يشمل نصفي الكرة الشمالي والغربي، كما هدد بالاستيلاء على غرينلاند.

لكن الصين، بمساعدة كاسحات الجليد الروسية، هي التي تستفيد إلى أقصى حد من الفرص التجارية، وفرص العبور الجديدة في القطب الشمالي.

ففي الأسبوع الماضي، أطلقت شركة شحن صينية أول خط منتظم أسبوعي لسفن الحاويات عبر القطب الشمالي ويحاذي هذا الخط السواحل الروسية في رحلة بين الساحل الشرقي للصين والمملكة المتحدة، وقد أُطلق عليه اسم «طريق الحرير الجليدي».

وهذا يسلط الضوء مباشرة على حقيقة أن الصين أصبحت خلال العقود القليلة الماضية أكثر اهتماماً بالهيمنة البحرية وبالقطب الشمالي على حد سواء.

وبعد وقت قصير من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، جعلت الصين قطاع الملاحة البحرية والشحن محوراً استراتيجياً، ما أدى إلى مزيد من تراجع القوة الأمريكية في هذا المجال.

وقد ضاعفت الصين إنتاجها 3 مرات مقارنة بالولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، وباتت تسيطر على 55% من صناعة بناء السفن، مقابل 5% فقط في عام 2000. وينطوي هذا الاختلال الكبير في التوازن على مخاوف تجارية وعسكرية للولايات المتحدة، وكذلك لأي دولة تعتمد عليها في مجال الأمن.

وتتزايد في الولايات المتحدة الآن، بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الدعوات إلى إقرار «قانون السفن»، الذي يهدف إلى إحياء أحواض بناء السفن المحلية وتوسيع الأسطول التجاري الأمريكي.

لكن المنتقدين يقولون إن القانون تم إفراغه من كثير من مضمونه نتيجة ضغوط جماعات الضغط التي تمثل المستوردين الأمريكيين، الذين لا يريدون دفع تكاليف أعلى لشحن البضائع على متن سفن أمريكية.

وحظي ترامب نفسه بإشادة لإبرامه اتفاقاً مع فنلندا لبناء كاسحات جليد، حتى لو كانت الاستراتيجية نفسها قد طرحتها أجيال من القادة الفنلنديين، وطورتها إدارة بايدن إلى حد كبير.

وستكون هناك حاجة إلى مزيد من كاسحات الجليد لعبور مياه القطب الشمالي مع فتح الممرات التجارية، وحتى عندما لا يكون الجليد ظاهراً للعيان، غالباً ما تكون كاسحة الجليد ضرورية لضمان سلامة الملاحة في أقصى الشمال، إذ يمكن للرياح والأمواج أن تتغير بسرعة وأن تحاصر السفن داخل الجليد.

وقبل بضع سنوات، أعلنت الصين أنها «دولة قريبة من القطب الشمالي»، وأن لها مصالح في المنطقة، وبدأت في تعزيز تعاونها مع روسيا، التي تمتلك عشرات كاسحات الجليد، في نقل النفط والغاز من المنطقة وإليها. وحاولت روسيا فرض سيادتها على طريق بحر الشمال.

في الوقت نفسه، تتطلع الولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية الأخرى إلى تكثيف عمليات رسم خرائط قاع البحر في القطب الشمالي.

وتبحث هذه الدول عن ممرات قابلة للاستخدام عبر القطب الشمالي، وتسعى إلى فهم أفضل لطبيعة «الممر الشمالي الغربي»، فضلاً عن استكشاف المعادن، إذ يتوفر الغاز والعناصر الأرضية النادرة بكثرة، لكن لم يستغل الكثير منها بعد، وكذلك طرق التجارة الجديدة.

كان القطب الشمالي المتجمد يحظى باهتمام أقل بكثير قبل أن يفتح احترار المناخ الباب لهذه الفرص. وبالطبع، فإن إرسال مزيد من السفن عبر المنطقة يسهم بدوره في تفكك الجليد، لكن ذلك يخلق أيضاً حلقة مفرغة، فكلما انفتحت ممرات تجارية جديدة، زاد عدد الدول والشركات التي ستسعى إلى استغلالها.

وبدأ بالفعل سباق جديد لتأمين القطب الشمالي الآخذ في الذوبان واستغلال موارده، بل وحتى استعمار أجزاء منه. وكما هي الحال مع كثير من أوجه التحولات الجيواستراتيجية الراهنة، تتمتع الصين بالسبق.