ريكاردو هاوسمان
في هدوء، أصدر مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، الحكم على السنة الأولى من فرض الولايات المتحدة أكبر زيادة في الرسوم الجمركية منذ نحو قرن، وكشفت البيانات أن عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة في 2025 بلغ نحو 1.18 تريليون دولار، وهو رقم يكاد يتطابق مع رقم عام 2024.
بالتالي، فإن التحوّل الأكثر حمائية في الذاكرة الحديثة لم يخفض هذا العجز، كما كان مفترضاً، لكن ذلك كان متوقعاً إلى حد كبير، لأنها مسألة حسابية أكثر من كونها جدلاً اقتصادياً.
فعجز الحساب الجاري ليس كشف حساب يتعلق بالغش التجاري، بل هو الفارق بين ما تستثمره الدولة وما تدخره، والرسوم الجمركية لا تغير أياً من الأمرين، وبما أن التخفيضات الضريبية التي تم إقرارها العام الماضي أدت لزيادة عجز الموازنة، وانخفاض الادخار الحكومي، فقد أدى ذلك إلى تبديد أي أثر محتمل للرسوم الجمركية في خفض العجز.
أما الخبر الأكثر إثارة للاهتمام فكان مدفوناً في مكان آخر في البيانات، فعلى مدار سنوات، كانت أمريكا حالة استثنائية، إذ كان العجز الهائل في تعاملاتها مع بقية العالم يتم تعويضه إلى حد ما من الدخل الهائل الذي تجنيه من استثماراتها في الخارج، ما ساعد على حماية صافي مركزها الاستثماري الدولي.
لكن في عام 2024، وللمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، تحول صافي دخل أمريكا من الاستثمار إلى السالب وفي عام 2025، ظل قريباً من الصفر.
وعلى مدار عقدين، كان المشككون يجادلون بأن فائض الدخل للولايات المتحدة، لم يكن سوى وهم ناتج عن التخطيط الضريبي للشركات وانخفاض تكلفة الأموال.
وأنه سيختفي حتماً بمجرد عودة أسعار الفائدة إلى مستوياتها الطبيعية. وقد عادت أسعار الفائدة بالفعل إلى مستوياتها الطبيعية في 2022 - 2023، واختفى الفائض وبدأ الآن نشر مراثي في «الامتياز الباهظ»، الذي تتمتع به الولايات المتحدة بفضل الدولار.
لكن هذا الاستنتاج سابق لأوانه فمنذ عام 1976، راكمت الولايات المتحدة عجزاً في الحساب الجاري يبلغ نحو 17 تريليون دولار. ورسمياً، يبلغ صافي مركزها الاستثماري الدولي الآن سالب 21.9 تريليون دولار.
رغم ذلك، دفعت الولايات المتحدة في العام الماضي نحو 50 مليار دولار فقط على ذلك العجز المتراكم، أي بمعدل يقارب 0.3%. إن دولة تدين للعالم بما يعادل 70% من ناتجها السنوي، وتخدم هذا الدين بتكلفة لا تتجاوز 0.3%، لم تفقد امتيازها.
قبل عقدين، تجادلت أنا وفيديريكو ستورزينجر بأن لغز الاقتصاد الأمريكي يتلاشى بمجرد تقييم الأصول الأجنبية التي تمتلكها الولايات المتحدة في الخارج بالطريقة التي نقيم بها أي أصل آخر، أي وفقاً للدخل الذي تدره.
فعندما توظف شركة أمريكية معرفتها في الخارج، سواء كانت اكتشافاً جزيئياً، أو صياغة خوارزمية، أو علامة تجارية، فإن ما يتم تسجيله في الدفاتر هو المبلغ الذي استثمرته الشركة الأمريكية، لا المعرفة والخبرة التي تجعل قيمة هذا الاستثمار تساوي أضعاف ذلك المبلغ.
وسيظهر العائد الذي تولده هذه الأصول في الحسابات، لكن قيمة الأصل لا تظهر. وقد أطلقنا على هذه الثروة المفقودة اسم «المادة المظلمة»، لأن شأنها شأن المادة المظلمة عند علماء الفلك، لا يمكن رؤيتها، لكن يمكن الاستدلال على وجودها من قوة جاذبيتها.
وبهذا المقياس، إذا تم احتساب قيمة الأصول الأمريكية في الخارج على أساس عائد بنسبة 5%، فإنه يشير إلى صافي مركز يبلغ نحو سالب تريليون دولار.
بينما تظهر الأرقام الرسمية سالب 21.9 تريليون دولار وتبلغ الفجوة بين الرقمين نحو 21 تريليون دولار، أي ما يعادل قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأكبر على الإطلاق. وهكذا تم إعلان موت الامتياز الأمريكي في اللحظة الذي هو فيها في أقوى حالاته.
ما تغير هو تركيبة الأصول والالتزامات، لا المعرفة التي تكمن وراءها. فما زالت الشركات الأمريكية تحقق عائدا قدره 6.3% على عملياتها في الخارج، أي نحو 690 مليار دولار في عام 2025، بينما تحقق الشركات الأجنبية 2.9% في الولايات المتحدة.
الذي أعيد تسعيره هو الدين، فالولايات المتحدة تقترض على المدى القصير، والاحتياطي الفيدرالي جعل الاقتراض قصير الأجل أكثر تكلفة. وبالفعل، إذا قيس «الامتياز» وفق أسعار الفائدة التي تدفعها الولايات المتحدة فعليا، فإن إجمالي ما راكمته منذ عام 1976 يصل إلى نحو 19 تريليون دولار.
وهذا كله يجعل الجبهة الأخيرة التي فتحها دونالد ترامب في الحرب التجارية لافتة للنظر، ففي 31 يوليو، دخلت الرسوم الجمركية على الأدوية الحاصلة على براءات اختراع حيز التنفيذ، بنسبة تصل إلى 100%، وبنسبة 15% على الواردات من الاتحاد الأوروبي. وتستورد أمريكا أدوية بقيمة نحو 200 مليار دولار سنوياً، وتعد أيرلندا أكبر مصدر لها.
لكن واردات الدواء «الأيرلندي» من الناحية الاقتصادية، هي في جوهرها وإلى حد كبير، دخل من المعرفة الأمريكية يعود إلى موطنه. فالشركة التابعة في أيرلندا تمتلك براءة الاختراع، وحبة الدواء تعبر المحيط الأطلسي بسعر يتضمن دفع مبالغ كبيرة نظير استخدام الملكية الفكرية الأمريكية.
ويظهر تتبع سلاسل الملكية من خلال بيانات الاستثمار الثنائي لصندوق النقد الدولي أن 58% من الاستثمار الأجنبي المباشر في أيرلندا تعود ملكيته في نهاية المطاف إلى مستثمرين أمريكيين. كما تدفع أيرلندا سنوياً للمستثمرين الأجانب دخلاً يعادل نحو ربع ناتجها المحلي الإجمالي.
ومن ثم، فإن فرض رسوم جمركية على هذه الواردات يعني، في المقام الأول، ضريبة تفرضها الحكومة الأمريكية على الأرباح التي تحققها الشركات الأمريكية في الخارج.
أما رد الفعل المرجح من جانب الشركات، وهو إعادة تسجيل الملكية الفكرية في الولايات المتحدة، فسيؤدي إلى تقليص العجز التجاري من دون أن يتم نقل مصنع واحد من مكانه. وهكذا ستعلن قواعد المحاسبة السيئة التي أشعلت هذه المعركة انتصارها.
إن العجز التجاري الأمريكي هو ظل فائض غير مرئي. مدفوعات العالم مقابل المعرفة الأمريكية والأمان الذي توفره أمريكا. لم تغير الرسوم الجمركية ذلك الظل. أما الرسوم الجديدة، فهي تستهدف، بدقة لافتة، انعكاس هذا الظل.
أستاذ في كلية جون إف. كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد ومدير «مختبر النمو» في هارفارد